قال عرفان لصاحبه سرحان، وهما يستعيدان بعض ما جرى في القرون البعيدة:
معايشة الزاهدين تجذب من له قلب لين، ويعرف من الحكمة آخرها.
- إن كان بعض الزهد يُكتسب، فالمحبة تُلقى في القلوب، ولا جهد فيها.
وساد بينهما صمت، قطعه سرحان سائلاً:
- نعم، تحضرني هنا مريم البصرية، التي ظلت سنين تخدم العابدة الزاهدة العاشقة، رابعة العدوية، وتُذكر ضمن جماعة الزهاد والعباد والمتصوفة في البصرة، وطالما قورن حالها بحال رابعة، في الزهد والإخلاص، وفي الذكر والعبادة.
ثم رفع إصبعه، وكأنه يشير إلى شيء، وواصل:
- لقد قرأت في كتاب «طبقات الصوفية» للسلمى أن مريم هذه كانت في أيام رابعة، تصحبها وتخدمها، وقد عاشت بعدها سنوات، وكانت تتكلم عميقاً في المحبة.
- لا، بل أعرف أنها كانت إن سمعت علوم المحبة طاشت، فهامت وبكت، وصارت في حال غريبة، وكأنها قد نسيت وجودها على الأرض.
كانت تختلي بنفسها، لتستغرق فى صلاتها، وهنا يقول عنها عبدالعزيز بن عمير: «قامت مريم البصرية المتعبدة من أول الليل فقرأت من سورة الشورى (الله لطيف بعباده)، ثم لم تجوز به حتى أصبحت».
ولم تكن في عبادتها مشغولة برزقها، إذ كانت تقول: «ما اهتممت بالرزق ولا تعبت في طلبه منذ سمعت الله عز وجل يقول: «وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ».
- قرأت أن خادمة رابعة العدوية قد قالت عنها إنها كانت تصلّى الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت هجعة فى مصلاها حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهى فزعة: يا نفس! إلى كم تنامين؟ وإلى كم لا تقومين؟ يوشك أن تنامى نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور».
- لا، بل خادمة أخرى تسمى عبدة بنت أبى شوال.
- غريب أن مريم قد شربت من رابعة ولم تشرب منها عبدة مثل مريم.
- كانت مريم قريبة جداً من رابعة، وأدركت معها معالم طريق الروح.
كانت مستعدة لما آلت إليه، فانبعثت في طريق العشق الإلهى.
كانت متفكرة في القرآن، ويقال إنها قضت ليلة كاملة في خشوع وتلاوة وتدبر آية واحدة هي (الله لطيف بعباده)، كما سبق أن ذكرت.
- أليست لها أقوال مأثورة مثل رابعة العدوية؟- لم تترك سوى أحوالها، التي أتت على ذكرها كتب مثل «طبقات الصوفية» و«حلية الأولياء»، و«صفة الصفوة» وجميعها تحدثت عن وجدها الشديد، وزهدها، وخوفها من الله، وإخلاصها وانغماسها الكامل في ذكر ربها، وغلبة المحبة على قلبها، وطيب علاقتها برابعة.
لم تكن معلمة ولا واعظة إنما سالكة خادمة شاهدة، إنها كانت حالة صوفية عميقة تمشى على الأرض.
- وما الذي جعل الناس ينقلون عن رابعة، ولا ينقلون عن مريم؟ سأل سرحان.
- لرابعة حكاية لافتة مغرية، وهى كسرت حولها الكثير من المحظورات، أما مريم فلم تتمتع بكل هذا، فبقيت فى الظل، وربما لولا أنها اقتربت من رابعة ما تذكرها أحد.
فالناس يتناقلون الأقوال، يسجلونها في الكتب، أما الأحوال فيعتبرون لها، ويتأثرون بها، وقد يعجزون عن وصفها قولاً أو كتابة، فيمسكون عنها، ثم تضيع مع تعاقب الأجيال.
- لكن هناك من نقل عنها ما قالته بشأن الرزق.
- نعم، أقوال شحيحة لها، مثل هذا الذي ذكرته، أو ما نقل عنها عن وصف شدة الخوف من الله، إذ كانت ترى أن الخوف الصادق يعنى قطع التعلق بالدنيا، وأن العبادة بلا خوف ولا إخلاص عادة لا معنى لها.
وهناك قول ينسب إليها فى هذه الحال هو: «الخوفُ سوطُ الله، يقوم به المفرِّطون عن بابه».
كانت إن خافت اهتزت وأجهشت بالبكاء، ولهذا وضعها البعض فى زمرة البكائين، فقد كانت حين تتذكر الله، تهطل دموعها خشية وخشوعاً.
- يبدو أنها كانت حريصة على إخفاء سرها.
- هذا والله من شدة إخلاصها، وقد قيل إنها كانت تحذّر من العبادة طلباً للثناء أو السمعة، وتعدّ ذلك نوعاً من الشرك الخفى، وتؤكد أن العمل لا يُقبل إلا إذا خلا من نظر الناس، ولهذا لم يعنها أن يتحدث أحد بحالها، وتركت الجميع يرون ويقدرون ويعتبرون.
- ألم تقل في هذا شيئاً على أهميته؟ سأل سرحان.
- لها في هذا عبارة حسنة هى «من عبدالله لغير الله، وكَّله الله إلى ما عبد».
- يا له من قول بليغ فى كراهية الرياء، ثم سأل:
- هل تركت لها رابعة شيئاً من حطام الدنيا؟- أكلت مريم من طعام رابعة، وشربت من شرابها، فلما رحلت رابعة لم تعتن مريم بما تركته لها، وفضلت أن تعيش فى فقر اختيارى، وتركت كل مظاهر الراحة والدعة، وكانت في هذا راضية صابرة، لم يسمع أحد منها في أى يوم شكوى أو ضجراً، ولم تطلب من أحد شيئاً.
- يُخيَّل إلىّ أنها ليست الوحيدة في متصوفات البصرة التي لم يذكر عنها الكثير.
- طبعاً، فحال مريم البصرية يذكرنى بامرأة تسمى «حسنة العابدة»، كانت تصوم النهار وتحيى الليل، وليس في بيتها شىء، حتى الماء، فكانت كلما عطشت خرجت إلى النهر لتشرب.
كانت جميلة، فقالت لها امرأة: تزوجي.
ردت عليها: «هات رجلاً زاهداً لا يكلفنى من أمر الدنيا شيئاً وما أظنك تقدرين عليه، فوالله ما فى نفسى أن أعبد الدنيا، ولا أتنعم مع رجال الدنيا، فإن وجدت رجلاً يبكي ويبكيني، ويصوم ويأمرني، ويتصدق ويحضني عليها، فبها ونعمت، وإلا فعلى الرجال السلام».
- مسكينة مريم البصرية، فحتى اسمها جاء من يشاركها فيه.
نظر إليه عرفان والحيرة تسكن ملامحه، ثم ابتسم، وقال:
- لا يعرف أهل العراق اليوم مريم البصرية القديمة، إنما مريم البصرية الجديدة.
- الجديدة؟ !! سأله عرفان، وتطلع إليه، فأجابه:
- نعم، مطربة اسمها مريم عبدالله جمعة، ولدت أوائل القرن العشرين، وترنمت بأغانٍ شعبية سائدة في البصرة، وأخرى ريفية من ربوع العراق، ورغم أنها من حولها اختاروا لها اسماً فنياً هو «وحيدة خليل» فإن هناك من يعودون إلى اسمها الأول، فيغطي في رؤوسهم على مريم البصرية الصوفية.
- شىء طبيعي، لا سيما في زماننا، أن يغطى صدح الطرب على سكينة التصوف، حتى لو كان غارقاً في الخشوع والتأمل.
- لنعد إلى مريم البصرية القديمة.
- لم يبق لديّ شىء آخر عنها إلا ما قيل عن ساعة رحيلها.
- ظلت على حالها حتى جاءها الموت وهي في ذروة الوجد.
ويقال إنها كانت حاضرة في مجلس ذكر، وانخرط أحد الواعظين فى حديث عميق عن المحبة، وهي تنصت بكل جوارحها، حتى احترق كبدها، وانشقت مرارتها، فسقطت في مكانها، فهي لم تقدر على مغالبة الوجد.
ماتت مريم البصرية، وكما حفظت أقوالها في سرها، ولم يعنها أن تُسمعها لأحد، أهمل المؤرخون الكثير من سيرتها، حتى إننا لا نعرف موعد ميلادها، ولا تاريخ وفاتها، ولولا ارتباط فترة من عيشها برابعة العدوية، ما سمع أحد بها.
وعلى أي حال لم تكن هي معنية بأي شىء من هذا كله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك