فى لحظات الاضطراب الإقليمى، كتلك التى تعيشها منطقتنا الآن، لا تكون المعركة عسكرية فقط، وإنما إعلامية بالدرجة نفسها.
والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بما تحمله من تعقيدات استراتيجية واحتمالات مفتوحة للتصعيد، لا تفرض تحديات على الجيوش فقط، ولكنها تضع أيضاً منظومات الإعلام فى اختبار حقيقى بين المهنية والانجراف، بين السبق الصحفى والمسئولية الوطنية.
وفى هذا السياق، برز دور وزارة الدولة للإعلام، بوصفه نموذجاً فى ضبط إيقاع التناول الإعلامى، من خلال الإحاطة العاجلة التى أصدرتها فى اليوم الأول لبدء الحرب، والتى جسّدت وعياً عميقاً بطبيعة المرحلة وحساسيتها.
هذه الإحاطة غير تقليدية، وبدت كخارطة طريق واضحة لوسائل الإعلام المصرية، لمساعدتها فى رسم حدود الحركة المهنية، مع التأكيد فى الوقت ذاته -وهذا مهم- على حرية التناول المنضبط، الذى يستند إلى المصادر الرسمية ويتحرى الدقة قبل الإثارة.
ومن المعلوم بالضرورة أنه فى أوقات التصعيد العسكرى، تنتشر الشائعات بأسرع من الصواريخ، وتتضاعف مخاطر الأخبار غير الموثقة، خصوصاً فى بيئة إعلامية مفتوحة تتقاطع فيها المنصات التقليدية مع وسائل التواصل الاجتماعى، حيث تختلط الحقائق بالتكهنات.
من هنا جاءت أولى ركائز الإحاطة، بالتشديد على ضرورة الرجوع فى كل ما يخص الموقف المصرى إلى البيانات والتصريحات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة.
هذه النقطة ليست تقييداً لدور الإعلام، كما حاول البعض تصويرها، لكنها حماية له من الوقوع فى فخ التقديرات المتسرعة أو النقل غير الدقيق عن مصادر خارجية قد لا تعكس الرؤية المصرية سواء بحسن نية أو سوء مقصد.
الموقف الرسمى فى أحداث بهذا الحجم لا يحتمل الاجتهاد، ويتطلب نقلاً أميناً يعبر عن الدولة بمؤسساتها، ويُجنب الرأى العام الوقوع فى حالة الارتباك أو الانقسام أو الحيرة.
أما الركيزة الثانية، والمتعلقة بالمتابعة الدقيقة لما يصدر عن رئاسة مجلس الوزراء والوزارات المختصة بشأن الإجراءات الاحترازية، فهى تعكس فهماً عميقاً لطبيعة القلق الشعبى فى مثل هذه الأزمات.
المواطن المصرى عادة، فى ظل تصاعد التوتر الإقليمى، ينشغل بالسؤال عن تأثير ذلك على معيشته، هل سترتفع الأسعار؟ ، وكيف ستتأثر إمدادات الطاقة؟ ، وما هو موقف الدولة من التداعيات الاقتصادية المحتملة؟
هنا يجب أن يتحول الإعلام -فى جانب من مهمته- إلى جسر للطمأنة، بشرط أن يستند إلى المعلومات الدقيقة الصادرة عن الجهات الرسمية، وليس إلى تحليلات مرسلة أو توقعات غير مدعومة ببيانات دقيقة.
الإحاطة الإعلامية لم تغفل كذلك بعداً إنسانياً بالغ الأهمية، يتمثل فى أوضاع الجاليات المصرية فى مناطق التصعيد، وهو ما يهم ملايين الأسر المصرية.
أكدت وزارة الدولة للإعلام ضرورة الاستناد إلى ما يصدر عن وزارة الخارجية والتعاون الدولى والمصريين بالخارج، وإبلاغها فوراً بأى حالات تصل إلى وسائل الإعلام للتأكد من صحتها.
هذه الآلية تعكس تنسيقاً مؤسسياً فرضته اللحظة، لمنع تضخيم الوقائع أو تداول معلومات غير دقيقة قد تثير الهلع بين أسر المصريين فى الداخل، وفى الوقت نفسه تعزز من قدرة الدولة على التحرك السريع عبر بعثاتها الدبلوماسية والقنصلية، استناداً إلى معلومات موثوقة.
وفى هذا الإطار، يبرز دور مستحدث لـ«الخارجية» كشريك أساسى فى إدارة الأزمة إعلامياً، بما يضمن توحيد الرسالة الرسمية وتكاملها، ويمنع تضارب التصريحات أو تعدد الروايات.
الإعلام فى مثل هذه اللحظات يجب ألا يعمل بمعزل عن مؤسسات الدولة، وإنما يتناغم معها، حفاظاً على الأمن القومى وصورة الدولة فى الخارج.
واللافت فى إحاطة وزارة الدولة للإعلام أنها لم تكتفِ بالتوجيه، لكنها فتحت باب التواصل، مؤكدة استعدادها لتلقى الاستفسارات والتنسيق مع الجهات المختصة لتوفير الإجابات والتوضيحات اللازمة.
هذا النهج يعكس تحولاً فى فلسفة إدارة الملف الإعلامى، من منطق التعليمات الفوقية إلى منطق الشراكة المؤسسية، فالإعلامى ليس مجرد ناقل خبر، بل فاعل فى تشكيل الوعى العام، ومن حقه أن يحصل على المعلومة الدقيقة فى توقيت مناسب، حتى يؤدى دوره بكفاءة.
ضبط إيقاع التناول الإعلامى لا يعنى فرض وصاية، وإنما يحمى المجال العام من الفوضى، ففى أوقات الحروب، يصبح الخبر غير الدقيق تهديداً للأمن القومى، وقد يستغل فى حملات دعائية تستهدف إرباك الداخل أو التشكيك فى مواقف الدولة.
ومن هنا، فإن ما قامت به وزارة الدولة للإعلام يعكس إدراكاً استباقياً لطبيعة الحرب الحديثة، التى تدار على شاشات التليفزيون ومنصات التواصل بقدر ما تدار فى ساحات القتال.
هذه الإحاطة تسهم فى ترسيخ مفهوم «الإعلام المسئول» الذى يوازن بين حق الجمهور فى المعرفة، وواجب حماية الاستقرار الداخلى، فالتغطية المنضبطة لا تحجب الحقائق، لكنها تقدمها فى سياقها الصحيح، بعيداً عن المبالغات أو التهوين.
وهى بذلك تعزز ثقة المواطن فى وسائل إعلامه الوطنية، فى مواجهة السيل المتوقع من الروايات المتناقضة القادمة من الخارج.
وفى ظل المشهد الإقليمى المضطرب، تبدو مصر فى موقع دقيق، بحكم ثقلها السياسى وموقعها الجغرافى، وتشابك مصالحها الاقتصادية، ومن ثم فإن أى انزلاق إعلامى قد ينعكس سلباً على صورة الدولة أو يفسر مواقفها على نحو غير دقيق.
لذلك، فإن إحاطة وزارة الدولة للإعلام تمثل خطوة وقائية تحمى المجال الإعلامى من الوقوع فى أخطاء مكلفة.
وأثبتت التجارب السابقة أن إدارة الأزمات لا تقتصر على القرارات السياسية والاقتصادية فقط، لكنها تشمل كذلك إدارة الخطاب العام، والرسالة التى وجهتها الوزارة إلى وسائل الإعلام تؤكد أن الدولة المصرية تدرك أهمية هذا البعد، وتسعى إلى تنظيمه دون المساس بحيويته، وهذه هى المعادلة الدقيقة بين الانضباط والحرية، بين المسئولية والحق فى المعرفة.
إحاطة وزارة الدولة للإعلام جاءت فى توقيتها المناسب، وبمضمون يعكس نضجاً مؤسسياً ورؤية واضحة، ولم تفرض قيوداً بقدر وضعها إطاراً مهنياً يحمى الجميع، الدولة، والجمهور، والإعلام نفسه.
وفى زمن تتكاثر فيه الشائعات وتتصارع فيه السرديات، يبقى الصوت الرسمى المنظم، المدعوم بإعلام وطنى مسئول، هو صمام الأمان الحقيقى لاستقرار الداخل وصلابة الموقف المصرى، وهنا يستحق الوزير ضياء رشوان كل التحية والتقدير، حتى وإن أساء البعض تفسير مقصده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك