حينَ تُطلُّ أولُ ليلةٍ من رمضانَ، تُقبلُ معها فرصةٌ جديدةٌ، ويُفتحُ فى القلبِ بابٌ واسعٌ للمراجعةِ والمصالحةِ.
إنها ليلةُ التحوُّلِ الهادئِ، التى تتخفّفُ فيها الروحُ من أثقالِها، وتستشعرُ أنَّ الحياةَ- مهما ازدحمتْ بالأخطاءِ- لا تزالُ تَمنحُ الإنسانَ حقَّ البدءِ من جديدٍ، قال تعالى: «قُلْ يَا عِبَادِى الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»، ولا بدَّ أنْ نُدركَ أنَّ فتحَ صفحةٍ بيضاءَ مع الحياةِ لا يكونُ إلا بنيّةٍ صادقةٍ تولدُ فى لحظةِ صفاءٍ.
وأولُ مفاتيحِها أنْ يقفَ الإنسانُ مع نفسِه وقفةَ صدقٍ ومحاسبةٍ، يراجعُ فيها ما مضى دونَ يأسٍ، وينظرُ إلى ما هو آتٍ بعينِ الأملِ، ولا أقصدُ أنْ نتذكرَ أخطاءَنا لنجلدَ ذواتِنا، بل لنُحسنَ رسمَ الطريقِ القادمِ فى حياتِنا.
وفى هذه الليلةِ المباركةِ، تتجلى قيمةُ التوبةِ بوصفِها ولادةً ثانيةً للروحِ، تتحرّرُ فيها من سطوةِ الماضى، وتعلنُ البدءَ فى حياةٍ أقربَ إلى اللهِ تعالى، وقد بشّرَنا النبى صلى الله عليه وسلم بأنَّ بابَ المغفرةِ فى رمضانَ مفتوحٌ، فقالَ: «من صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدّمَ من ذنبِه، ومن صدقَ فى توبتِه شعرَ بخفّةٍ فى قلبِه، وكأنما أُزيحتْ عنه حُجُبٌ كانت تحجبُ عنه نورَ الطمأنينةِ».
ثمَّ تأتى الخطوةُ الثانيةُ، إصلاحُ العلاقةِ مع اللهِ، إذ لا تُكتبُ لبدايةٍ أن تنجحَ ما لم تُبنَ على صلةٍ متينةٍ بخالقِها، والصلاةُ هى أوثقُ صلةٍ بين العبدِ وربِّه، وأداؤُها فى أولِ ليلةٍ من رمضانَ عهدُ قربٍ جديدٌ مع اللهِ، والتضرع والدعاءُ فيها رجاءُ قلبٍ يطلبُ الهدايةَ والثباتَ، وكلما ازدادَ القلبُ قربًا، ازدادَ إيمانًا.
أما الخطوةُ الثالثةُ، فهى إصلاحُ العلاقةِ مع الناسِ، فالصفحةُ البيضاءُ لا تكتملُ إذا بقيت فى أطرافِها آثارُ خصامٍ أو قطيعةٍ، وما أجملَ أن يبدأَ الإنسانُ رمضانَ بقلبٍ سليمٍ، يسارعُ إلى الصفحِ، ويطلبُ العفوَ، ويعيدُ جسورَ المودّةِ حيثُ انقطعت، فسلامةُ الصدرِ هى أعظمُ ما يهيّئُ النفسَ لعبادةٍ صادقةٍ وحياةٍ مطمئنّةٍ.
ومن معانى البدايةِ الجديدةِ أيضًا أن يضعَ المرءُ لنفسِه أهدافًا واقعيةً فى هذا الشهرِ، أنْ يُحسنَ خُلقَه، ويضبطَ لسانَه، لقولِ النبى صلى الله عليه وسلم: «إذا كانَ يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفث ولا يجهل»، ويجتهدَ فى عملِه، ويجعلَ من أيامِه مساحةً للخيرِ النافعِ للناسِ كافةً.
وختامًا.
إنَّ أولَ ليلةٍ من رمضانَ تهمسُ لكلِّ إنسانٍ، لا أحدَ أسيرَ ماضيهِ، ولا أحدَ محرومٌ من فرصةِ التغييرِ، وما دامَ القلبُ ينبضُ فبابُ الإصلاحِ والتوبةِ مفتوحٌ، وما دامَ الأملُ حيًّا فالصفحةُ البيضاءُ ممكنةٌ.
فلنستقبلْ هذه الليلةَ بقلبٍ مُقبلٍ، وإرادةٍ صادقةٍ، ولنجعلها نقطةَ انطلاقٍ نحو حياةٍ أقوى إيمانًا، وأقومَ خُلقًا، وأرحبَ أملًا، فربَّ بدايةٍ صادقةٍ فى هذه الليلةِ تكونُ سببًا فى تغييرِ مسارِ العمرِ كلِّه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك