روسيا اليوم - سكوت ريتر: دول البلطيق خلقت "ذريعة الحرب" مع روسيا فرانس 24 - مونديال 2026: المنتخب الياباني يغيّر ملاعب التدريب مرتين في المكسيك قناة الغد - ترويض ترمب في فرساي.. ماكرون يلجأ لدبلوماسية الفخامة لإنقاذ قمة السبع العربي الجديد - لبنان | قصف مكثف وأوامر إخلاء غداة اجتماع إسرائيلي حول اتفاق واشنطن يني شفق العربية - أتراك تراقيا الغربية: اليونان تنتهج ازدواجية في حقوق الأقليات العربية نت - بعد أشهر من الغياب.. ظهور مفاجئ لمحيي إسماعيل يشغل التواصل يني شفق العربية - أزمة النقل في غزة.. الحصار الإسرائيلي يوقف عجلة المواصلات روسيا اليوم - لحظة بلحظة.. استمرار القصف المتبادل بين "حزب الله" وإسرائيل رغم وقف إطلاق النار العربية نت - استئناف العمليات في ميناء الفحل العماني لتصدير النفط عقب انفجار العربية نت - "أنثروبيك" تدعو لخطة مشتركة لوقف تطوير الذكاء الاصطناعي عند تصاعد المخاطر
عامة

معاذة العدوية.. ذات الهمة في الصبر والعلم والعبادة.. أعلام التصوف من النساء (14)

الوطن
الوطن منذ 3 أشهر
2

«صحبتُ الدنيا سبعين سنة فما رأيت فيها قرة عين قط». تقولها وتنظر إلى مَن ينصتون إليها في تعجُّب من هذه السيدة التي لا تهمل التفكير في الأبدية، إنها حياة ما بعد الموت، الذى لم تكن تراه سوى نقلة سريعة من...

ملخص مرصد
معاذة العدوية، زاهدة وعابدة من البصرة، عاشت حياة مكرسة للعبادة والعلم، وروت أحاديث نبوية، وصبرت على فقد زوجها وابنها في الجهاد، وتوفيت سنة 83 هـ بعد حياة تقشف وإخلاص.
  • روت 9 أحاديث نبوية، منها في الصحيحين، ووثقها ابن معين
  • عاشت بلا فراش بعد استشهاد زوجها وابنها، وامتنعت عن النوم الطويل
  • توفيت سنة 83 هـ وهي تبكي ثم تضحك بعد رؤيتها زوجها الشهيد في المنام
من: معاذة العدوية أين: البصرة

«صحبتُ الدنيا سبعين سنة فما رأيت فيها قرة عين قط».

تقولها وتنظر إلى مَن ينصتون إليها في تعجُّب من هذه السيدة التي لا تهمل التفكير في الأبدية، إنها حياة ما بعد الموت، الذى لم تكن تراه سوى نقلة سريعة من الفناء إلى البقاء، تتم بين غمضة عين وانتباهتها، بل بين انتباه وغمضة أخيرة.

ـ هي معاذة العدوية، التي كانت ترد على مَن يتعجّبون من حالها قائلة: «هذا يومى الذى أموت فيه»، لكن الساعات تمر، فيذهب الصباح ويأتى عليها المساء، فترسل عينيها إلى النجوم الزاهرات في طيّات الظلام، وتقول: «هذه ليلتى التي أموت فيها».

ـ كان هذا في آخر أيامها، وقد أوحشها النظر إلى سماء لم ترفع إليها عينيها أربعين سنة، حياءً ربما، أو اكتفاءً بالغوص في أعماق النفس، لترى السماء التي تحل بقلبها.

كل ليلة تنتظر الرحيل الأخير، لكنها لا تمر في ساعاتها هذه إلا بالموت الأصغر، إنه النوم، الذى تستيقظ منه، لتجد طالبى روايتها للحديث، فلا تبخل عليهم بما سمعته وحفظته.

ـ روت عن السيدة عائشة، وعلى بن أبى طالب، رضى الله عنهما، وكذلك عن هشام بن عامر، ثم ذكرت ما روته أمام أهل البصرة فرووا عنها، وعلى رأسهم يزيد الرشك، وعاصم الأحوال، وأبوقلابة الجرمى، وعمر بن ذر، وأيوب السختيانى، وإسحق بن سويد، وصار حديثها يُحتج به في الصحاح كلها، وقد وثَّقها شيخ المحدِّثين يحيى بن معين.

ـ لم تكتفِ بهذه الرواية، إنما حفرت لنفسها علامة في تاريخ المسلمين بمسلك آخر، هو الاستغراق في العبادة، فكانت تصلى كل ليلة طويلاً، وتحرص على قراءة قرآن الفجر الذى تشهده الملائكة، دون أن تهمل حق بيتها عليها، فهي زوجة رجل يسمى صلة بن أشيم، وأم لأبنائه.

ـ زوج وابن استشهدا في غزوة وقعت سنة اثنتين وستين للهجرة، فلما جاء الخبر سارعت النسوة إليها وعلى أطراف ألسنتهن كلمات التعازى والمواساة والأسى، ففوجئن بها تقول لهن في ثبات عجيب: «مَن جاءت تهنينى فمرحباً، ومَن جاءت لغير ذلك فلترجع».

لم تلطم خداً، ولم تمزق ثوباً، إنما بكت صامتة، سائلة عما جرى، فعرفت ما كان فحمدت الله على أنها كانت زوجة لرجل، وأماً لرجل.

ـ قال لها مَن حضروا المعركة إن «صلة» قد تقدم فقاتل حتى أُصيب، واجتمع عليه الكفار، فرماهم عن جسده بسيفه، وظل يرميهم حتى تفرقوا عنه، وأقبل يمشى حتى قام عليه أحدهم، فدعاه لمنازلته، فلم يتردد، حتى سقط شهيداً.

ـ زدنى في هذا، فما أحوج الناس إليه في أيام الكروب والحروب التي نعيشها.

ـ كانت معاذة تتذكر كل أحوال زوجها معها، وتُنصت إلى من يُحدِّثونها عما جرى بينه وبين ابنه وابنها في ساحة الوغى.

ـ يا أبت! أتريد الخير لنفسك وتأمرنى بالرجعة؟ ! أنت والله كنت خيراً لأمى منى.

هزت رأسها وهي تسمع مَن حملوا إليها الخبر، وقالت في تبتل وصبر لفتاة أرضعتها، هي أم الأسود بنت زيد العدوية:

ـ والله يا بنية ما محبتى للبقاء في الدنيا للذيذ عيش، ولا لرَوح نسيم، ولكن والله ما أحب البقاء إلا لأتقرّب إلى ربى عز وجل بالوسائل، لعله يجمع بينى وبين أبى الصهباء وابنه في الجنة.

وتذكرت في هذه اللحظة يومها الأول مع زوجها العابد الزاهد.

يوم صنع قصة رواها العرب زمناً طويلاً، ناقلين إياها عن ابن أخى صلة، الذى قال:

ـ إنه لما كان يوم زفاف معاذة العدوية، مضيت بعمى صلة، وأدخلته الحمام، ثم ألبسته أجمل الثياب، وأدخلته على معاذة في بيت يتضوّع بالطيب، وتنبعث منه أجمل روائح البخور والعطور، وقد هُيِّئ البيت كأجمل ما تكون البيوت.

وحين صار الزوجان معاً في البيت، ألقى صلة السلام على معاذة، ثم قام يصلى، فقامت معه فصلت أيضاً، واستغرقا في الصلاة، فلم يزالا يصليان ويصليان حتى وافاهما عمود الفجر، وتنفَّس الصبح، ونسيا أنهما في ليلة الزواج.

وفي الصباح أتيته لأتفقَّد أحواله، فعلمت أنه ظل يصلى حتى أسفر الصبح، فقالت له:

ـ أي عم، أهديت إليك ابنة عمك الليلة فقمت تصلى وتركتها؟ـ يا ابن أخي، إنك أدخلتني أمس بيتاً أذكرتني به النار، ثم أدخلتنى بيتاً أذكرتنى به الجنة، فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت.

في غمرة الذكرى أدركت معاذة أن أيامها القادمة كلها عبادة، وأن عليها أن تزيد من سهرها في الصلاة وقراءة القرآن.

فلم يكن نومها يطول، إنما كان يغلبها فتسقط فيه، ولو كانت قد استطاعت مفارقته تماماً لفعلت.

أليست هي التي تقول:

ـ عجبت لعين تنام وقد عرفت طول الرقاد في ظلام القبور.

أليست هي من روت تسعة أحاديث نبوية، منها في «الصحيحين»، وحديثان في كتب السنن الأخرى؟ وقد عدَّها علماء الجرح والتعديل صحيحة جميعاً.

أليست هي التي كانت إن غلبها النوم نهضت، وراحت تجول في الدار وتقول:

ـ يا نفس، النوم أمامك، لو قدمت لطالت رقدتك في القبر على حسرة أو سرور.

أليست هي التي كانت إن جاء عليها الشتاء لا تلبس من الثياب إلا أرقَّها، حتى يمنعها البرد من النوم؟ !

ـ ربما تكون حالها هذه هي التي تركت أثراً في نفوس متصوفة من بعدها، فرأوا أن وقت النوم في القبر طويل، ولذا على المرء ألا ينام في الدنيا كثيراً.

ويحضرنى هنا قولها لأم الأسود:

ـ يا بنية، كونى من لقاء الله عز وجل على حَذَرٍ ورجاء، فإنى رأيتُ الراجى له محقوقاً بحُسن الزلفي لديه يوم يلقاه، ورأيت الخائف له مؤملاً للأمان يوم يقوم الناس لرب العالمين.

ومنذ أن استشهد زوجها لم تتوسّد معاذة فراشاً، مخافة أن تشعر بلين الفراش فتنسى ما عاهدت الله عليه من حُسن الرجاء.

ولفتت حالها انتباه أهل زمانها فشهدوا لها بالصلاح، حتى إن أبا سوار العدوى يقول عنها وزوجها:

ـ بنو عدى أشد أهل البصرة اجتهاداً.

ـ هل لها كرامات تُذكر؟ سأل سرحان.

ـ يروى ابن حجر في كتابه «تهذيب التهذيب» أن معاذة كانت لها كرامات، ناقلاً عن رجل من أهل البصرة قوله إنه قد سمع معاذة تدعو: اللهم إن كنت تعلم أن عائشة حدَّثتنى أن النبي نهي عن نبيذ الجر فاكفنيه بما شئت، فانكفأ القدح وأهرق ما فيه.

هكذا عاشت معاذة، التي كُنيت بـ«أم الصهباء»، صابرة قانتة، زاهدة عابدة، حتى الرمق الأخير، فلما جاءها الموت في سنة ثلاثة وثمانين للهجرة بكت ثم ضحكت.

فقال لها من تحلقوا حولها وهي تحتضر:

ـ بكيتِ ثم ضحكتِ، فمم البكاء ومم الضحك؟ابتسمت، وشردت فيما تراه ينتظرها، وأجابت:

ـ أما البكاء الذى رأيتم فإنى ذكرت مفارقة الصيام والصلاة والذكر فكان البكاء لذلك، وأما الذى رأيتم من تبسمى وضحكى فإنى نظرت إلى أبى الصهباء قد أقبل في صحن الدار، وعليه حلتان خضراوان وهو في نفر والله ما رأيت لهم في الدنيا شبهاً فضحكت إليه، ولا أرانى أدرك بعد ذلك فرضاً.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك