أخذت جدتي تسوح كل يوم، بحثا عن لا شيء، منذ سكنت العلوة، وكأن النمل، الذي هو أيضا يسوح يومه في أركان البيت، يسكن جسدها الصغير.
تارة تجمع بقايا المسامير الملقاة على الأرض، تارة تجمع ما تيسر من بقايا الخشب زاد التنور، تارة تسوح عكس عقارب الساعة، ملسوعة بهذه العقارب، فتبدو بأنها تختم العمر بهذه السياحة.
في مثل هذه الحالات تصوم عن الكلام، ويأخذها سرد صامت لأيام العمر، وتلهو عن كل شيء، حتى الطعام لا تزدرده.
إن الطعام يشغلنا عن أنفسنا، فنلهث من أجله العمر دون أن ننتبه للزوال، فالمعدة ليست بيت الداء وحسب، لكنها بيت الضياع أيضا، تشغلنا عن بقية الجسد.
لما تركت غريان، أيام الحرب حرب الإنجليز والطليان، كنت وصغاري نلوذ من الجوع، كانت هذه البطن الملعونة تجرنا جرا لأي مكان، لم أعرف أين نذهب فقط نريد طعاما، في الشرق صابة كما بدا لنا.
لقد أكلت الحرب الأخضر واليابس، ولم أعرف لما يتحارب هؤلاء النصارى، فلم يكن الهم يعطينا الفرصة لنعرف، المعرفة شغل الشبعان.
حافية أحفر الفيافي، وفى الطريق كل شيء ما عدا الأكل، النصارى وحربهم أكلوا أي شيء، حتى الحديد والرصاص وبنى آدم طبعا.
لا شيء في الأفق غير الموت الذي لا يشبع، فكيف لي أن أحمي صغاري ولا يأكلهم الموت، لا يأكلهم الجوع، الجوع الذي يسكن أحشائي، وهذا الدمار الذي يلاحقنا من غريان حتى قمينس، القرية التي حططنا بها الرحال، في الطريق ومثل كل مكان مررنا به، لبد الموت تحت لغم وبجانب قنبلة، كان يطاردنا برفقة الظل، وفى عين الشمس، التي سياطها من صحراء سرت، حتى تراب قمينس تلسعنا.
وهذه البطن اللعينة تلهث بنا، عربة للموت كانت، والصغار يلهثون حفاة، على الأقدام نقطع الأرض، أياما وليالي ولا نهار، فالشمس ليل أقسى من كل ليل، شمس الجائع والخائف والعاري ظلم وظلام.
في غريان حصدت الحلفا وفى الطريق حصدت الهول، في غريان طاردت الطير وعلمت صغاري الصيد، وفى الطريق من غريان إلى قمينس طاردت السراب، ما أعذب سراب العطشان، السراب يقاتل الخيبة ويعارك الأهوال والشرق أفق لغربة، كنت أقطع الصحاري وصغاري بسكين هذا الأفق.
صغاري الستة، ثلاثة أولاد وثلاث بنات، مات أبوهم بغتة، هكذا دون أن يترك زادا أو ينتظر قليلا حتى تنتهي هذه الحرب الملعونة، حتى ينتهي النصارى من شجارهم.
إن البشير رجل لا يستحق الرحمة، فلقد مات وحملني في بطني مسدس الجوع هذا الكافر، لكن الميت لا يستحق شيئا غير الرحمة، والحى يستحق الجوع.
أعوام وغريان تسف الرمل والسماء تحبس المطر، أعوام لا طير غير طير النصارى وأزيز الرصاص وآذان المدفع، أعوام كم في العمر عام، عام الرمادة وعام البمبم وعام لا نهار فيه، أعوام: لا زيت، لا زيتون، لا زميته، لا ايدام، لا حصيدة، لا قلية، لا فواح، عام البارود، عام الحريقة، وعام، وعام.
بين غريان وقمينس أيام مثل أعوام وفى قمينس جوع، لكن حططنا الرحال، والحق دفنا الأقدام لما لقينا الترحاب من بدو عراة، وأفواه تلتقم الصبر: تعدي في الأيام بلقم الريح.
بنى كبير الصغار العشة من سعف النخل الجاف، وأعواد الحطب التي لم تشعل فيها النيران لغياب الحبيب الطعام، وأخذت الصغار نحصد أسمال عيدان القمح العجفاء، نسد على الجربوع الحفر ونفخخ للقبرة ونقتات، قنفذ ولا الجوع.
آه عمر أم مسبحة تسبح باسم الموت، الذي يسكن الجسد ولم نذق طعما للحياة، لم نذق طعما للحياة فيك يا عمر والبحر جارنا، فهو جار لقمينس حيث حطت الأقدام وأقيمت العشة، فهل نأكل آخر الزمان الدود، دود البحر الذي يسمونه حوت: سمك.
إنه كما دود الأرض الذي ينخر أجسادنا التي من تراب، نسف هذا التراب ولا نقرب البحر ونأكل من دوده، يأكلنا الجوع ولا نكون من أهل البحر، نحن الذين كرمنا الله بأن نكون من أهل البر.
وصرت راعية لصغاري من عروس البحر التي لا صغار لها، لهذا تخرج لصغار أهل البر بالناي تغنى وتسحرهم، ثم في غور اليم تأخذهم.
بين عروس البحر وبين ذئاب البر، وكنت صغيرة جميلة شقراء وعيون خضر، امرأة من غريان يشتهيها رجال البدو، بين حرب النصارى وبين حبس السماء المطر، بين هذا وهذا بددت عمر الجوع، وتلحفت سني البرد وجمعت الخيبات، كان الفقر رجلا وأنا امرأة وحيدة ومسدس صغار.
ثم أرخت الحرب سدولها، هزم الطليان وخيم الإنجليز في البلاد، وصار نجع العرب بنغازي التي عاد رجل منها يصيح في العباد: قالك قمينس بلاد.
تزوجت وزوجت البنات مثلما تزوج الرسول عائشة، كانت الصغرى تلعب النقيزة مع ثلة من الصغيرات لما زفت لعريسها، لكن كيف لامرأة، بثلاثة صغار، بزوج، فكان الطلاق بالثلاثة الذين ثقل حملهم.
غب الحرب نزل على الوطن ضيفا عزيزا، عز وقت الضيق، درت السماء بحليبها وأطلق المحبوس، بعد أن بقيت الأرض في غصة زمن وأي زمن.
وجاء أمير يسعى قيل لخير البلاد، وأنه السنوسي شيخ الطريقة، وشيخ الشيخ عمر المختار، من حارب النصارى حتى شنق.
لم أفهم، ولم أرد أن أفهم، الشيخ حارب النصارى (الطليان)، وشيخ الشيخ إدريس السنوسي جاء مع الإنجليز، أليس الإنجليز نصارى؟لما حل المطر لم يرحل الجوع، لما حل الإنجليز لم يرحل الطليان، لما حل الزوج لم ترحل الوحدة، فقد بقي صغاري جوعى وأرادني الزوج وحيدة، ولا غيري.
كثر الصغار الذين يسرحون دون عائل، فقد غادر الدنيا من فرض عليهم المجيء لهذه الدنيا.
بعد الحرب نزل المطر، ونبت اليتامى والمتسكعون والشحاذون والسارقون والمهابيل والمعرصون، من كل فج ولكل سبيل، كأن الأرض ولدتهم.
بعد الحرب تطلع الغولة التي لا تحب أن يكون لغيرها صغار، بعد من حلاوة الروح أكلت صغارها، لهذا ترصد عتبة كل بيت وكنيف وجبانة، وفي أفواه الغابة تسكن، تطلق أياديها وتنخ شعرها الأسود، يطول الليل ويحلك ظلامه ثم تختلس من بنات حواء صغارهم.
ومن حلاوة الروح: عذوبة الأمومة، طلقت الفراش وتركت الدفء، وزحفت لصغاري على الركب حتى دميت، بالدم رصدتهم، وبحجاب الأم حصنتهم، وكانت بنغازى تناديني، فلبيت مسرعة النداء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك