ما يشهده الإقليم اليوم ليس مجرد تصعيد عابر، بل هو فصل جديد في حرب وجودية مفتوحة، حيث بات واضحا أن أدوات الأمس لم تعد صالحة لفهم معادلات اليوم.
وأولئك الذين يتمسكون بمناهج التفكير التقليدية في التحليل والعمل السياسي، سيجدون أنفسهم خارج اللعبة، يدفعون أثمانا مضاعفة مع كل شمس تشرق على واقع إقليمي جديد.
فإسرائيل، التي حصلت على ضوء أخضر أمريكي واسع (بتشجيع من إدارة ترامب سابقا، واستمراريته في الرؤية الاستراتيجية) لخوض معركة شاملة ضد إيران، لا تتعامل مع هذه الحرب كحدث منفصل، بل كحلقة في سلسلة متصلة.
وهدف إسرائيل المعلن وغير المعلن، لم يعد يقتصر على احتواء النفوذ الإيراني، بل يتجه نحو خيارين لا ثالث لهما: إما إسقاط النظام في طهران عبر استنزافه عسكريا واقتصاديا، أو فرض شروط جديدة كليا على الحاكم في طهران تعيد تعريف قواعد الاشتباك في المنطقة.
ولفهم المشهد بوضوح، يمكننا استعارة تشبيه رياضي بسيط: لقد كانت المرحلة السابقة بمثابة «جولة الذهاب» في مباراة الملاكمة الشرق أوسطية.
في هذه الجولة، ركزت إسرائيل على قطع أذرع إيران في الميدان، عبر ضرب وكلائها وحلفائها (من حزب الله في لبنان إلى الفصائل في سوريا والعراق)، بهدف عزل المركز عن محيطه.
واليوم، تقف إسرائيل عند منعطف «جولة الإياب»، حيث باتت ترى أن النصر الحاسم لا يتحقق إلا عبر استهداف المركز أي إيران، بشكل مباشر، وفي الوقت نفسه، العودة لإنهاء ما تبقى من قوى الحلفاء التي تعتبرها تهديدا وجوديا طويل الأمد.
بهذا المعنى، تحوّلت إسرائيل إلى «حاملة كرة النار الكبيرة» في سماء المنطقة، فهي لا تكتفي بالرد، بل أصبحت هي من يحدد ساحة المعركة وتوقيتها، إنها تقف فوق رؤوس الجميع، مستعدة لضرب أي هدف في أي لحظة، في معادلة جديدة تقوم على مبدأ: «إما أن تستسلم للواقع الجديد، أو أن تحترق بنيرانك أنت».
إن نجاح إسرائيل في هذه الاستراتيجية (جولتي الذهاب والإياب) لن يعني فقط تغيير موازين القوى، بل سيعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط برمته.
ففي حال تمكنت من فرض شروطها على إيران، فإن ذلك سيخلق فراغا استراتيجيا كبيرا في المنطقة، ستتنافس عليه قوى إقليمية ودولية.
كما أن إضعاف المحور الإيراني سيفتح الباب أمام تحالفات جديدة غير مسبوقة، قد تصل إلى تطبيع علني وكامل بين إسرائيل ودول عربية كانت تعتبر «المقاومة» خطا أحمر.
لكن السيناريو الأخطر يبقى كامنا في احتمالية أن يؤدي هذا الضغط المفرط إلى رد فعل إيراني غير محسوب، يجذب المنطقة إلى حرب شاملة لا يمكن السيطرة على تداعياتها، مما يحول الشرق الأوسط من ساحة صراع بالوكالة إلى مسرح لحرب مدمرة شاملة، تدفع فيها الشعوب العربية والشعب الإسرائيلي على السواء، ثمنا باهظا قد يفوق كل الحسابات.
التاريخ يعلمنا أن الانتصارات العسكرية الساحقة نادرا ما تنتج سلاما حقيقيا، بل غالبا ما تخلق أوضاعا جديدة تحمل في طياتها مقدمات حروب مقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك