على الرغم من عمق التحالف الأمني والسياسي والعسكري، والعلاقات الإستراتيجية الوثيقة التي تربط الولايات المتحدة بإسرائيل، فإن تاريخ العلاقة بين الحليفين لم يكن بمنأى عن التوترات الاستخبارية، فقد ظل ملف التجسس الإسرائيلي على واشنطن أحد أكثر القضايا إثارة للحساسية والجدل بين الحليفين.
وتكررت على مدى عقود الاتهامات الأمريكية لتل أبيب بتجاوز حدود التعاون الأمني والسعي إلى جمع معلومات سرية من داخل مؤسسات الإدارة الأمريكية.
وكلما برزت اتهامات جديدة تتعلق بأنشطة استخبارية إسرائيلية داخل الولايات المتحدة، عادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول حدود الثقة بين الحليفين، وما إذا كانت المصالح الأمنية الإسرائيلية تدفع تل أبيب إلى تجاوز الخطوط الحمراء حتى مع أقرب شركائها.
وهذا الأمر يثير سؤالا يتجاوز حدود العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، فإذا كانت إسرائيل متهمة بالتجسس على حليفها الأكبر والداعم الأبرز لها عالميا، فكيف سيكون تعاملها الاستخباري مع الدول الأخرى التي لا تحظى بالمكانة نفسها في حساباتها الإستراتيجية؟وقد تجدد هذا الجدل أخيرا بعد تقارير أمريكية تحدثت عن رفع وزارة الحرب الأمريكية مستوى التحذير من أنشطة التجسس الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة إلى الدرجة القصوى، وسط مخاوف من محاولات لجمع معلومات تتعلق بمداولات الإدارة الأمريكية الأخيرة بشأن الحرب مع إيران وتطورات الشرق الأوسط.
وتأتي هذه المخاوف في وقت ترى فيه تقارير أن العلاقات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تشهد خلافات بشأن مستقبل المواجهة مع إيران والعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان.
كما أن هذه الاتهامات ليست جديدة، بل تمثل حلقة جديدة في تاريخ طويل من الشكوك والصدامات الاستخبارية بين واشنطن وتل أبيب.
من البدايات إلى قضية بولاردويرى مسؤولون وخبراء استخبارات أمريكيون أن النشاط الاستخباري الإسرائيلي ضد الولايات المتحدة يعود إلى ما قبل" قيام دولة إسرائيل" نفسها عام 1948، عندما عملت شبكات صهيونية على جمع الأموال والمعلومات والموارد من داخل الأراضي الأمريكية دعما للمشروع الصهيوني.
وخلال العقود اللاحقة، تطورت هذه الأنشطة مع اتساع العلاقات العسكرية والتكنولوجية بين البلدين، غير أن المنعطف الأبرز جاء في ثمانينيات القرن الماضي مع قضية جوناثان بولارد، محلل الاستخبارات في البحرية الأمريكية الذي اعتُقل عام 1985 بعد تسريبه آلاف الوثائق السرية لإسرائيل.
وأصبحت القضية من أكبر فضائح التجسس في تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، بعدما كشف التحقيق أن بولارد نقل كمّا هائلا من المعلومات المصنفة شديدة السرية، مما دفع القضاء الأمريكي إلى الحكم عليه بالسجن المؤبد عام 1987.
ومع ذلك فقد أُفرج عن جوناثان بولارد عام 2015 بعد قضائه 30 عاما في السجن، قبل أن تنتهي قيود الإفراج المشروط المفروضة عليه عام 2020، لينتقل بعدها إلى إسرائيل حيث يقيم منذ ذلك الحين.
ورغم اعتذار إسرائيل لاحقا واعترافها بأن بولارد كان يعمل لصالحها، فإن القضية شكلت نقطة تحول في نظرة أجهزة الأمن الأمريكية إلى النشاط الاستخباري الإسرائيلي، ودفعتها إلى تشديد إجراءات المراقبة والمتابعة لأي محاولات تجسس محتملة داخل الولايات المتحدة.
وفي أعقاب أزمة بولارد، أعلنت إسرائيل أنها أوقفت عمليات التجسس داخل الولايات المتحدة، وتعهدت بعدم تكرار ما حدث، لكن مسؤولين أمريكيين سابقين وحاليين أكدوا مرارا أن الشكوك لم تتبدد.
ففي تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، تحدث مسؤولون في مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) ووكالات مكافحة التجسس عن حوادث متكررة دفعتهم إلى استدعاء دبلوماسيين ومسؤولين إسرائيليين وتحذيرهم من أنشطة اعتُبرت تجاوزا للقواعد المتعارف عليها بين الحلفاء.
ومن بين أكثر الحوادث إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، ما كشفته تقارير أمريكية عام 2019 عن رصد أجهزة تنصت متطورة قرب البيت الأبيض ومقار حكومية حساسة في واشنطن.
وبحسب مسؤولين أمريكيين تحدثوا لوسائل إعلام محلية، فإن الشبهات اتجهت نحو إسرائيل باعتبارها الجهة الأكثر ترجيحا للوقوف وراء تلك الأجهزة المصممة لاعتراض الاتصالات الخلوية.
ورغم غياب اتهام رسمي مباشر، فإن الحادثة عمّقت الشكوك داخل المؤسسات الأمنية الأمريكية، وأعادت التذكير بأن ملف التجسس الإسرائيلي لا يزال حاضرا رغم عقود من التعاون الإستراتيجي بين البلدين.
ووفق شهادات مسؤولين أمريكيين نشرتها وسائل إعلام أمريكية على مدى السنوات الماضية، فإن إسرائيل ظلت تُصنف داخل بعض دوائر الأمن القومي الأمريكي باعتبارها من أكثر الدول نشاطا في جمع المعلومات داخل الولايات المتحدة، خصوصا في المجالات العسكرية والتكنولوجية والصناعية.
أسرار التكنولوجيا والدفاعوبخلاف فترة الحرب الباردة التي ركزت فيها عمليات التجسس على المعلومات العسكرية والإستراتيجية، تقول تقارير أمريكية إن الهدف الرئيسي للأنشطة الإسرائيلية خلال العقود الأخيرة أصبح الحصول على أسرار صناعية وتقنية متقدمة.
وأثارت مجلة" نيوزويك" جدلا واسعا عندما نقلت عن مسؤولين وخبراء في مكافحة التجسس أن إسرائيل" تتجاوز الخطوط الحمراء" أكثر من أي حليف آخر للولايات المتحدة في مجال جمع المعلومات.
وأشارت التقارير آنذاك إلى أن أجهزة الأمن الأمريكية أبدت مخاوف من استغلال الوفود التجارية وبرامج التعاون الدفاعي المشترك للحصول على تقنيات أمريكية متقدمة أو معلومات حساسة مرتبطة بالصناعات العسكرية.
كما ربط بعض المسؤولين الأمريكيين هذه المخاوف بالنقاشات التي دارت آنذاك حول إعفاء الإسرائيليين من تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة، حيث حذرت دوائر أمنية من أن تسهيل الحركة قد يزيد من صعوبة مراقبة النشاط الاستخباري المحتمل.
وكشفت تقارير أخرى عن خلافات داخل مراكز تنسيق دولية مرتبطة بالحرب في غزة، بعدما اتهمت جهات أمريكية القوات الإسرائيلية بمراقبة وتسجيل اجتماعات تضم مسؤولين من عدة دول تعمل في المجال الإنساني والأمني.
ورغم النفي الإسرائيلي المتكرر لهذه الاتهامات، فإن الشكوك لا تزال حاضرة داخل الأوساط الأمنية الأمريكية، التي تنظر بعين الحذر إلى القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية المتقدمة وإلى سجل ممتد من الوقائع بشأن أنشطة التجسس الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة.
ومع كل ذلك، لم تؤد قضايا التجسس إلى انهيار التعاون الأمني بين البلدين، بل بقي التنسيق الاستخباري والعسكري في أعلى مستوياته، خصوصا في الملفات المتعلقة بإيران والتنظيمات والفصائل المسلحة في المنطقة، إلا أن الجدل يتزايد حول حدود الثقة بين الطرفين رغم استمرار التعاون الأمني والعسكري الوثيق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك