قال المعلق في صحيفة “فايننشال تايمز” إدوارد لوس، إن حرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إيران، هي حرب قائمة على النزوة، وإن أي شخص يزعم المعرفة بما سيحدث لاحقا، هو مخادع، فالمشكلة في الحكام المستبدين أنهم يغيرون آرءاهم بسرعة.
ففي خطاب تنصيبه العام الماضي، وعد ترامب بأنه سيكون “صانع سلام” ينهي الحروب الاختيارية، ولكنه بات اليوم متورطا مع إيران في أكبر عملية لتغيير الأنظمة على الإطلاق.
وأضاف لوس أن الوقائع على الأرض، ربما ستجبره على التخلي عن هذا الهدف.
وحتى حكومته، ناهيك عن الكونغرس وحلفاء الولايات المتحدة، لا يعرفون إن كانت لديه خطة خروج.
وكما قال ترامب لصحيفة “نيويورك تايمز” في كانون الثاني/ يناير، فإن رادعه الوحيد نابع من “أخلاقي، إنها الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني”، ولم يقدم النظام الدستوري الأمريكي حتى الآن أي سبب لتحدي ما قاله، أما ما سيحدث في ساحة الحرب المتسعة فهو أمر آخر.
وبغض النظر عن الضربة الإسرائيلية الافتتاحية، فإن لحظة ذروة قوة ترامب كانت في اختياره خوض الحرب مع إيران.
ومنذ ذلك الوقت، فقد خسر احتكاره لمسار الحرب.
وأصبح للعديد من الأطراف الأخرى، وليس الإيرانيين فقط، رأي في مسارها.
ولاحظ الكاتب أن ترامب نفسه يظهر أنه متردد بشأن ما يريد تحقيقه من أهداف، ففي الساعات الـ72 الأولى، عبّر عن رغبته في القضاء على برنامج إيران النووي.
وفي مرة أخرى، قال إنه يريد إنهاء قدرة إيران على تصدير الإرهاب، وتارة ثالثة عبّر عن رغبة بإسقاط نظامها.
وفي مرة رابعة تحدث عن محاولات لإيجاد زعيم جديد داخلها يمكنه التعاون معه.
وجاءت معظم تصريحات ترامب على شكل أحاديث هاتفية عابرة مع الصحافيين.
فقد قال لأحدهم إن الحرب قد تستمر “أربعة إلى خمسة أسابيع”، ثم قال لآخر إنه مستعد للتفاوض مع إيران.
لكنه تساءل أيضا عما إذا كان هناك من يمكن التفاوض معه أصلا.
وعلق لوس أن أهداف ترامب الحربية متضاربة ومتغيرة.
وخلافا لما صرح به، لم تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها أي هجوم وشيك من إيران ولم يكن لهذه الحرب أي طابع استباقي.
كما لم تكن إيران، كما ادعى، قريبة من تطوير صواريخ قادرة على الوصول إلى أمريكا.
وقد بالغ مبعوثه، ستيف ويتكوف، قبل أيام حين قال إن إيران “على بعد أسبوع من امتلاك مواد لصنع قنابل نووية على قاعدة واسعة”.
ويشكك الوسطاء العمانيون في ادعاء ترامب بأن المفاوضين الإيرانيين يرفضون التنازل.
فما عرضته إيران الأسبوع الماضي، وهو عدم تخزين اليورانيوم المخصب منخفض الدرجة، كان أفضل مما حصل عليه باراك أوباما في الاتفاق النووي لعام 2015 الذي انسحب منه ترامب.
وعليه فمن المبرر التشكيك في قدرة ترامب على وقف المزيد من المجازر في شوارع إيران.
فرغم حثه الإيرانيين على الانتفاض، إلا أنهم لا يملكون أي وسيلة للتأكد من أن ذلك لن يكون انتحارا.
فالأنظمة لا تتغير من العدم ولا يمكن لترامب أن يقدم أي مساعدة إلا بغزو بلادهم.
ولأول مرة عبر عن هذه الفكرة، حين قال لصحيفة “نيويورك بوست”: “لا أشعر بالقلق حيال إرسال قوات برية”.
وفي الوقت نفسه، يدعو الميليشيات الإيرانية إلى تسليم أسلحتها، “سيستسلمون للشعب ببساطة، لو فكرت في الأمر”.
ويعلق الكاتب ساخرا أن من يطالبهم ترامب بتسليم أسلحتهم قد يبحثون عن مجرة بعيدا جدا لرمي أسلحتهم على سطحها.
أما على هذا الكوكب، فضباب الحرب وتئشوشها يبدأ في ذهن ترامب.
وقال لوس إن أي شخص يزعم معرفته بمآلات هذه الحرب، بمن فيهم ترامب، فهو يخادع نفسه.
ولن يكون نقل السلطة بطريقة سلسة واحدا من النتائج المتوقعة، فقد تصدى النظام الإيراني في الشهر الماضي للمحتجين وقتل الآلاف منهم.
وما تبقى من القيادة العليا للبلاد بات في موقف حرج.
فهجوم ترامب عليهم، أوصل إليهم رسالة أن هذه الحرب وجودية.
ومع ذلك، أبدى ترامب استغرابه من إطلاق الإيرانيين طائرات مسيرة وصواريخ على دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية، وهو تصعيد واضح من جانب النظام الإيراني المهدد.
ولهذا السبب حاولت معظم دول الخليج، الضغط من أجل منع وقوع الحرب.
ذلك أن مكانتها كركائز أساسية للاقتصاد العالمي باتت معرضة للخطر.
ولم يصغِ ترامب إلى حلفائه الخليجيين ولم يعر اهتماما لسيناريوهات المخاطر التي طرحها الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، فدولة بحجم إيران لا يمكن تغييرها عن بعد.
فقد راهن ترامب على انهيار إيران سريعا.
وحتى الآن، لا يوجد ما يشير إلى ذلك.
وهكذا، ندخل الآن في اختبار صمود، فكلما واصلت إيران شن هجمات بطائراتها المسيرة من طراز شاهد، زادت احتمالية وقوع خسائر فادحة في أرواح الأمريكيين وغيرهم.
كما يهدد هذا الصراع بالتحول إلى منافسة على من يستطيع الصمود لفترة أطول: قدرة إيران على إنتاج الطائرات المسيرة مقابل قدرة أمريكا على اعتراضها.
وعليه، فإن صراعا طويلا سيؤثر سلبا على الموارد المالية الأمريكية.
فقد اعتقد مؤيدو ترامب، المعروفون بشعار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، أنه سيحدث قطيعة جذرية مع حقبة الحروب الدائمة.
لكنهم كانوا مخطئين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك