لا تخضع رواية" عبور مؤجل.
يوم في الشاباك" (الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2026) للكاتب السوري عبد الله مكسور، لمنطق التسجيل الصحافي المباشر، رغم تثبيت عبارة" قصة حقيقية" على غلافها، لتذهب إلى مساحة معمّقة في تشريح المكان والزمان والجسد البشري.
يتخذ العمل من صيغة الراوي العليم، الذي هو البطل نفسه، خياراً سردياً واعياً، ليقدم فحصاً دقيقاً ومضنياً لآليات الروتين والإجراءات الإدارية القاسية التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي عند نقاط العبور والتفتيش، حيث يدير الزمن بعناية فائقة لتفكيك وعي العابرين إلى فلسطين وإنهاكهم نفسياً وجسدياً، قبل تحويل هوياتهم التاريخية الممتدة إلى مجرد أذونات مرور مؤقتة قابلة للإلغاء في أي لحظة.
على الرغم من إحكام هذا الفضاء الخانق الذي تمتد فيه الطوابير والكوات الزجاجية المصممة خصيصاً للإعاقة والعرقلة، يكشف السرد عن شقوق صغيرة ينفذ منها الرفض الإنساني العفوي، فالقسوة البيروقراطية المقيمة على الجسور تقابلها استراتيجيات مغايرة تماماً، تنتمي إلى" المقاومة اليومية المصغرة".
طوّع الكاتب إيقاع الحكي في الرواية ليُحاكي ثقل الساعات الممتدة عند المعبر؛ فالسرد يسير ببطء شديد يتماهى مع رتابة الاحتجاز، جاعلاً من" الطريق امتحاناً للذاكرة في صباح الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2025".
يكتشف الراوي عبر هذا الصباح الكثيف وجهاً آخر للتسلط؛ وجه لا يكتفي بالمنع الفيزيائي الفظ، ويذهب عميقاً نحو تحويل فعل العبور ذاته إلى تجربة نفسية تلتهم وعي الإنسان من الداخل.
تتبدى هنا سياسة مدروسة لإدارة الوقت، تقوم على تمديد الساعات، وضغطها، وتفريغها تماماً من معناها المعتاد.
يخرج الانتظار بفضل هذه الآلية من سياق الفراغ العابر أو الوقت الضائع على هامش الرحلة، ليتحول إلى حالة جسدية ثقيلة ملموسة، وأداة سلطوية تهدف إلى تكريس التبعية، وشلّ قدرة العابر على الفعل.
يقف الفلسطيني يومياً عند ما يصفه النص بـ" النقطة صفر"يقف الفلسطيني يومياً عند ما يصفه النص بـ" النقطة صفر"؛ تلك المساحة الحرجة والضيقة التي تتحول فيها الهوية الإنسانية من سردية تاريخية وتراثية ممتدة إلى سؤال مباشر ومستفز، ومن قصة حياة نابضة إلى إجراء إداري جاف، ومن حق طبيعي بديهي إلى إذن مرور مؤقت يمنحه أو يحجبه جندي قادم من رومانيا أو بولندا لا يربطه بالمكان أي تاريخ.
في هذه الثواني القليلة التي تسبق وقوف الباص أمام النقطة الأمنية، يبدأ الإنسان بتأمل تفاصيله تلقائياً وبلا وعي تقريباً؛ يراجع نبرة صوته، ولهجته، وتاريخه، وشكل صمته، متسائلاً بقلق عن أي تفصيل شخصي صغير قد يُقرأ على نحو مختلف، أو يثير الريبة خلف الزجاج السميك لكوة التحقيق.
يدير الاحتلال هذا الفضاء عبر بوابات حديدية متتالية، وطوابير تمتد بلا نهاية لفحص الحقائب، وتدقيق الجوازات، والوقوف الطويل خلف النوافذ الزجاجية، وسط ضوابط معلنة وصارمة تمنع التصوير والتدخين.
هذا العمل الممنهج يعكس تأثيره النفسي قبل الجلوس الفعلي أمام محققي" الشباك"، ويبدأ من لحظة التفتيش الأولى، حيث تُقاد الخطوات قسراً وتُستدعى الذاكرة تحت الضغط، ليخرج العابر من الحاجز في نهاية المطاف حاملاً هويته، لكنه فقد جزءاً من سلامه النفسي وثقته بالعالم.
في مواجهة هذه الآلة البيروقراطية والممرات المظلمة والصامتة التي تعمد إلى رفع شعارات سيادية حاسمة، مثل" العبرة بما قيل وليس بمن قال"، يولد نمط آخر ومغاير من المواجهة الإنسانية.
هذا النمط لا يستند إلى البلاغة الحماسية المعتادة، ويتغذى على الممارسات العفوية البسيطة التي تشكّل جوهر المقاومة السلبية أو المصغرة.
داخل قاعات الانتظار المكتظة بالمسافرين والمحاصرة باللافتات الصارمة التي تمنع التدخين، يصر الناس على التدخين علناً وبلا ارتباك.
هذا التمرد الصغير الخالي من استعراض البطولات والشعارات، يرتفع فيه دخان السجائر بكسل واضح، كأنه يدرك حصانته الطبيعية؛ فهو الشيء الوحيد في ذلك الفضاء المحكم الذي يعبر الممرات من دون حاجة إلى تفتيش، ومن دون أسئلة، ومن دون المرور بكوة زجاجية تصادر حريته وحركته.
تتبدى هذه المقاومة في أعمق تجلياتها الإنسانية وأشدها تأثيراً في المشهد الخاص بـ" باص العودة".
حين يقرر شاب فلسطيني، في لحظة مفاجئة، عدم متابعة الدخول إلى الضفة الغربية والعودة فوراً برفقة زوجته إلى الأردن، بعد أن رفض الاحتلال منحها إذن المرور، فيعيد هويته إلى جيبه بهدوء ويجلس ليخوض بوعي" لعبة انتظار.
انتهاء الانتظار".
في تلك اللحظة الكثيفة والمشحونة، يتحول قرار التراجع من مظهر من مظاهر الانكسار الشخصي أو الخذلان إلى فعل مقاوم حقيقي بصيغته الخاصة.
تصبح العودة هنا أكثر منطقية وكرامة من خيار الدخول وحيداً إلى وطن محتل يشترط على المرء تفكيك عائلته وحياته وتجزئتها بيديه مثل قربان للمرور عبر البوابة.
إن اختيار الرجوع، في هذا السياق، يعني رفضاً علنياً للانصياع للعبة التفتيت الإداري والأسري التي يمارسها المحتل.
يتحول الانتظار إلى حالة جسدية ثقيلة ملموسة وأداة سلطويةوعلى متن باص العودة، تنعكس الآية تماماً؛ يبدو الطريق أقصر بكثير، ربما لأن رحلة الذهاب كانت محملة بالأسئلة والمواجهات النفسية المخفية داخل غرف الشباك، بينما تأتي رحلة العودة مثقلة بالنتيجة الواضحة وحدها.
وحتى فعل دفع سبعة دنانير أجرة للباص، يتحول في وعي الراوي إلى جزء من طقس التوثيق اليومي، كأن العودة بكل ما تحمله من خيبة وانكسار تحتاج إلى إيصال مالي يثبت حدوثها الفعلي.
إن التمعّن في هذا التداخل بين سياسات الفراغ التي يفرضها الاحتلال وآليات المقاومة المصغرة التي يلجأ إليها العابرون، يضعنا مباشرة أمام البنية الأسلوبية للرواية وإيقاع حكيها البطيء، وهو إيقاع تفرضه بالضرورة طبيعة الساعات الطويلة والممتدة داخل المعبر والمعبر المضاد.
غير أن الفحص النقدي المتأني لمتن" عبور مؤجل" يكشف عن ملمح يستحق التوقف؛ حيث يميل النص في حركته المستمرة إلى شرح نفسه، مصادراً في كثير من الأحيان مساحة التأويل الحر المتاحة للقارئ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك