دخلت حرب روسيا على أوكرانيا عامها الخامس، فيما كان الكرملين قد وضعها في إطار" عملية عسكرية خاصة" تنتهي في غضون ثلاثة أيام.
وبدلاً من أن تبقى في نطاق جولة خاطفة ومحدودة، توسعت الحرب بشكل كبير، لتسجّل اليوم أكبر نزاع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وبعد مرور أربع سنوات، لا يزال الطرفان المتحاربان يقفان عند طرفي نقيض، ولا تبدو في الأفق أية مؤشرات جادة على وقف القتال الذي بدأ في فبراير/ شباط 2022، والجلوس إلى طاولة المفاوضات.
ومن عام لآخر تأخذ حرب روسيا على أوكرانيا طوراً أشد قسوة وتدميراً، وما يميّز العام المنصرم منها هو هيمنة الطائرات المسيّرة في المعارك، إذ ارتفع عدد الغارات الروسية إلى 29 ألفاً مقارنةً بـ6 آلاف في عام 2023.
وقد أدّت هذه الهجمات إلى تدمير البنية التحتية في أوكرانيا، بما في ذلك إمدادات الطاقة، تاركةً ملايين الأوكرانيين من دون كهرباء أو تدفئة أو مياه.
الأثر الذي لحق بأوكرانيا كارثي.
ومع ذلك، يمكن الشعور بتداعيات الصراع في أماكن أخرى، وآثاره بعيدة المدى في جميع أنحاء العالم، وخصوصاً في أوروبا.
ومنذ العام الأول للحرب، خيّمت غيوم سوداء في سماء القارة، وهي آخذة في الاتساع، لترمي بظلالها فوق مستقبل هذه المنطقة التي شهدت العديد من التغييرات المهمة التي ساهمت في إعادة تشكيل جغرافيتها السياسية.
وهناك إجماع في أوساط الخبراء الأوروبيين على أن الصراع الروسي الأوكراني، الذي بدأ فعلياً عام 2014 (ضم روسيا لشبه جزيرة القرم)، شكّل تحولاً جذرياً في الاتحاد الأوروبي.
وعلى وجه الخصوص، فقد سرّع من وتيرة تطبيق استراتيجيات جديدة لاستعادة السيادة في السنوات الأخيرة.
أبرز التغيرات العميقة في أوروبا هو انضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي.
ولعلّ أبرز التغيرات العميقة انضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) في عامي 2023 و2024 على التوالي.
وبذلك، تضاعف طول الحدود البرية المباشرة لـ" ناتو" مع روسيا، حيث تشترك فنلندا مع روسيا بحدود برية طولها 1340 كيلومتراً.
ولذا، يُعدّ هذا التحوّل بالانضمام إلى الحلف أمراً محورياً، لا سيما مع انتهاء حياد دول الشمال الأوروبي، الذي كان سمة بارزة في الجغرافيا السياسية الأوروبية لعقود، إذ اختارت السويد وفنلندا بعد الحرب العالمية الثانية عدم الانحياز العسكري.
أعادت حرب روسيا في أوكرانيا تشكيل المشهد الجيوسياسي في أوروبا، محطّمة وهم قارة مسالمة إلى الأبد.
وبات واضحاً أن الاتحاد الأوروبي يواجه من جهة تهديداً من الطموحات الروسية الجديدة، ومن جهة أخرى التحدّي الذي يواجه نموذجه الديمقراطي والتحالف عبر الأطلسي الذي فرضته الولايات المتحدة خلال ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثانية، مما يجعله أمام ضرورة ملحة لضمان قدرته على العمل باستقلالية.
ولا يقتصر ذلك على الدفاع فحسب، بل يشمل أيضاً قطاع الطاقة، الذي أبرزت الحرب اعتماده على روسيا.
في بداية حرب روسيا على أوكرانيا، خيب الاتحاد الأوروبي الآمال، ثم تعافى في مرحلة ثانية قبل أن يواصل إجراءاته ويُوسّع نطاقها بما يتناسب مع موارده.
كانت ردة الفعل الأوروبية على الحرب الروسية اقتصادية في البداية.
فالاقتصاد والمعايير، إلى حد ما، هما لغة الاتحاد، التي يُتقنها تماماً.
ومع ذلك، على جبهات أخرى، برزت نقاط الضعف الأوروبية، مثل الاعتماد على الغاز الروسي، في سياق حرب طويلة الأمد.
ومن الناحية الزمنية، تبنّت الدول الأعضاء استجابة متدرجة وفقاً لحدة الصراع.
ساهمت صدمة 24 فبراير 2022 في توحيد رؤية الأوروبيين حول القضايا الأمنية.
إذ يعتبر ما يقرب من 80% من الأوروبيين أن الصراع يشكل تهديداً للأمن الأوروبي (استطلاع رأي أجرته مؤسسة يوغوف البريطانية منتصف العام الماضي).
وترى أغلبية أوروبية كبيرة أن الأحداث تشكل تهديداً على المستوى المحلي.
وتُعدّ بولندا، من بين جيران أوكرانيا، الأكثر قلقاً في هذا الصدد، وقد دفع البُعد الأوروبي للتهديد الأمني الأوروبيين إلى التفكير في استجابة على مستوى القارة، حتى بات الاتحاد الأوروبي جهة فاعلة شرعية في الدفاع عن أوكرانيا، على قدم المساواة مع حلف شمال الأطلسي.
في هذا السياق، بدأت أوروبا عملية إعادة التسلح، إذ أعلنت ألمانيا، في 2022، عن صندوق دفاعي بقيمة 100 مليار يورو، تحت مُسمّى" التحول الزمني".
وفي أعقاب إعلان حرب روسيا على أوكرانيا، التزمت العديد من دول" ناتو" الأخرى بتخصيص ما لا يقل عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي.
ووفقاً لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، سجّل الإنفاق العسكري الأوروبي في عامي 2022 و2023 بعضاً من أسرع الزيادات السنوية منذ عقود.
لكن العام الماضي هو الأكثر رسوخاً في سياسة الدفاع الأوروبي منذ تأسيسه، إذ أقرّت المفوضية الأوروبية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي خريطة طريق تعتمد الأهدافَ والخطواتَ اللازمة لضمان جاهزية الاتحاد الأوروبي الدفاعية الكاملة بحلول عام 2030.
وقد حددت خمسة أهداف رئيسية: معالجة ثغرات القدرات الأوروبية، وإطلاق مبادرات رائدة لتعزيز جاهزية الاتحاد الأوروبي وتطوير قدراته، وضمان قاعدة صناعية متينة، وتوفير موارد مالية واستثمارات كافية، وأخيراً، وضع أوكرانيا في صميم جهود أوروبا في مجال الجاهزية.
وبناءً على ذلك، اقترحت أربع مبادرات رائدة: مراقبة الجناح الشرقي، والجدار الأوروبي المضاد للطائرات المسيّرة، والدرع الجوي، والدرع الفضائي.
تضمنت خريطة الطريق تدابير ملموسة لإعادة التسلح.
وجرى وضع خطة تمويل" إعادة تسليح أوروبا"، التي أُعيدت تسميتها إلى" الاستعداد لأوروبا"، والتي ستحشد ما يصل إلى 800 مليار يورو لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية بحلول عام 2030.
وستُستخدم آليات عدة لجمع هذا المبلغ الضخم، بدءاً من أداة" العمل الأمني لأوروبا" (SAFE)، التي ستُستخدم لتمويل مشتريات ومشاريع الأسلحة الأوروبية بشكل مشترك.
وسيُتاح هذا المبلغ على شكل قروض يُبرمها الاتحاد الأوروبي في الأسواق المالية، للدول الأعضاء الراغبة في اقتناء معدات عسكرية بشكل مشترك.
وقد وافقت المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي على تمويل 16 دولة عضواً، ولا تزال اتفاقيات القروض هذه بحاجة إلى وضع اللمسات الأخيرة عليها من قِبل المفوضية.
ومن المقرر صرف الدفعات الأولى للمستفيدين في مارس/ آذار الحالي.
من بين أهم المحطات المهمة في حرب روسيا على أوكرانيا، والتي أثرت على أوروبا بعمق، فوز دونالد ترامب بولاية رئاسية ثانية، بدأها مطلع الماضي بإبداء تهاون غير مبرر مع روسيا، وانفتاحه على نظيره الروسي فلاديمير بوتين.
ساهم ذلك في تعزيز وضع موسكو الذي تراجع بقوة بسبب الخسائر البشرية الكبيرة، وعدم قدرتها على حسم الحرب لصالحها.
ومن بين أخطر المواقف انضمام الرئيس الأميركي وأتباعه (مقربين منه في الدول الأوروبية) إلى جهود الكرملين في تقويض الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي، من خلال دعم جماعات يمينية متطرفة علناً.
وقد أثمر هذا أحياناً عن نتائج خطيرة، كما حدث عندما عرقلت المجر المساعدات لأوكرانيا في مجلس الاتحاد الأوروبي.
هدّد ترامب، من دون إعلان انسحابه من حلف شمال الأطلسي، بوقف الضمانات الأمنية الأميركية لأوروبا، وسعى إلى تحميل حلفائه الأوروبيين المزيد من التكاليف، متهماً إياهم باستغلال الحماية الأميركية.
والأهم من ذلك، ادعى قدرته على إنهاء حرب روسيا على أوكرانيا" خلال 24 ساعة".
وقد أدى إذلال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنيسكي في المكتب البيضاوي في 28 فبراير 2025 إلى مخاوف الأوروبيين من أن تُمارس الإدارة الأميركية ضغوطاً على كييف لإجبارها على الاستسلام لموسكو.
دفعت الحرب روسيا بعيداً عن أوروبا، إذ اتجهت أكثر نحو فلك الصين.
دفعت الحرب روسيا بعيداً عن أوروبا، إذ اتجهت أكثر نحو فلك الصين، وازداد اعتماد موسكو على بكين بشكلٍ ملحوظ، اقتصادياً واستراتيجياً.
وسرّعت من توجه روسيا نحو شراكة مع الصين وإيران وكوريا الشمالية، وحلّت الصين محل أوروبا كسوق الطاقة الرئيسي لموسكو، وزادت الصين بشكل ملحوظ مشترياتها من النفط الروسي بأسعار مخفضة، بينما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين مستويات قياسية في عام 2023.
وبذلك تغيّرت المعادلة الاقتصادية على نحو كامل مع أوروبا، التي كانت قبل عام 2022 تعتمد على روسيا كأكبر مورد للطاقة إلى الاتحاد الأوروبي، حيث كانت تُزوّده بنحو 40% من الغاز ونحو 25-30% من النفط الخام.
وأدت العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا إلى تقليص وصولها إلى تقنيات في قطاع المواصلات والآلات الصناعية والإلكترونيات المتقدمة.
ومنذ عام 2024، باتت الشركات الصينية تُزود روسيا بنحو 70% من أدواتها الآلية و90% من إلكترونياتها الدقيقة.
وقد مكّنت بعض الإلكترونيات المُورّدة روسيا من مواصلة عملياتها العسكرية في أوكرانيا، مما يُظهر اعتمادها على سلاسل التوريد الصينية.
ومهما يكن من أمر، ونظراً للتكاليف الباهظة التي تتكبّدها أوكرانيا، والمخاطر الجسيمة التي تواجهها بقية دول الاتحاد الأوروبي، فإن الخيار الوحيد أمام الاتحاد الأوروبي هو الحفاظ على دعمه وتعزيزه سيادة أوكرانيا واستقلالها بشكل فعّال.
هذا الدعم ليس مجرد واجب تجاه الشعب الأوكراني، بل هو بمثابة وعد للعالم بأن النظام القائم على القواعد يمكن أن يصبح واقعاً لا مجرد غطاء للصواريخ الأميركية، وأن الاتحاد الأوروبي وحلفاءه قادرون على تزويد العالم ببديل من منطق" القوة هي الحق".
وعلى هذا يسعى الاتحاد الأوروبي لتسوية سلمية دائمة تُنهي حرب روسيا على أوكرانيا، وتسمح للأخيرة باستعادة وحدة أراضيها وعودة ملايين اللاجئين الأوكرانيين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك