كان السؤال المطروح على الكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس في عام 1995 أي قبل رحيلها بفترة قصيرة، بديهياً ويمكنه أن يكون من النوع الذي يُطرح عادة على أي كاتب في أية لحظة من لحظات حياته: " ما هو كتابك الذي تفضله على أي كتاب آخر من مؤلفاتك؟ "، فكان جواب الكاتبة في كلمتين تبدوان غامضتين لكنهما في الحقيقة قالتا كل شيء، قالت: " السد، الطفولة" ولم تزد.
مع ذلك كان واضحاً أن لا" العاشق"، روايتها المفضلة، ولا" إنديا صونغ"، ولا" اختطاف لول ف.
شتاين"، ولا" بحار جبل طارق"، ولا أي نص آخر من تلك النصوص التي أدمنت على كتابتها خلال العقود الأخيرة من حياتها، كان ما تفضله، بل ما فهم المعنيون أنه، روايتها الكبيرة الأولى" سد على المحيط الهادئ"، والتي صدرت باكراً في مسيرتها الإبداعية، بعد عملين صغيرين سبقاها لتحمل ذلك العنوان شديد الفخامة الموحي ببعد ملحمي وبمناخ استعراضي، مع أنها لم تكن تحمل في ثناياها أكثر من نص حميمي أقرب إلى السيرة الذاتية، إنما جنباً إلى جنب مع العديد من الدلالات التي ستطبع على أي حال حياة مرغريت دوراس وأدبها طوال القرن العشرين.
بيد أن هذه الرواية، وزمناً طويلاً قبل" العاشق" التي ستباع بمئات ألوف النسخ وتحوَّل فيلماً وتجذب جمهوراً عريضاً لكاتبة كانت تعتبر بالغة النخبوية، عرفت كيف تحقق للكاتبة نجاحاً غير متوقع على الإطلاق من ناحية النقاد ولكن من ناحية القراء أيضاً وصولاً إلى ترشيحها لنيل جائزة الغونكور الأدبية.
عائلة صغيرة في بيئة قاسيةومع ذلك لا تتحدث الرواية عن أكثر من حياة تعيشها عائلة تتألف من أم وابنة وابن.
والابنة هي التي تروي الحكاية.
والحكاية عن بيت وأرض اشترتها الأم لتستغلها وتعيش بفضل زراعتها بعد رحيل الأب باكراً وتحمّلها مسؤولية ولدَيها ولكن ليس في مكان طبيعي، بل في تلك المنطقة من العالم التي كانت تسمى الهند الصينية أيام الاستعمار الفرنسي لها.
ففي تلك المناطق البعيدة الخاضعة للكولونيالية، حيث بنى كثر من المحتلين إمبراطوريات وثروات، ونهبوا خيرات السكان المحليين، تبين أن قطعة الأرض التي تمكنت الأم من شرائها لتعتاش منها، غير صالحة للزراعة ولا للعيش ولا حتى لأي شيء آخر، بسبب مياه المحيط التي تفيض عليها على مزاجها، فيما الأم لا تجد حلاً سوى أن تبني السد بعد السد للحيلولة دون حدوث ذلك الفيضان.
ولكن عبثاً.
إنها في الحقيقة أحداث كبيرة ولكن، لأن الكاتبة هنا هي مارغريت دوراس، سنكتشف بسرعة أن الرواية ليست في جوهرها عن ذلك الحدث الملحمي إنما السيزيفي، الذي سيتبين لنا أن الكاتبة قد عاشته بشكل أو بآخر في طفولتها، لكنها عن الأم وعن ذلك الغرق في الجنون الذي تعيشه وتعيشه الابنة معها، ولا سيما أن الابن جوزف يمضي جل وقته بعيداً من ذلك المكان الواقع في أقاصي الجنوب الشرقي الآسيوي.
ومن هنا تكاد الرواية كلها أن تتحول لتضحى نصاً بالغ الخصوصية، من حول ما تختزنه ذاكرة الابنة في ما يتعلق بالعلاقة بين الأم والمكان، والأم والحياة التي تعيشها، والأم والابنة في نهاية الأمر وبالتحديد.
مهما يكن من أمر، من الواضح أن ما لدينا هنا هو صورة ما، ولكن بالتأكيد ليس صورة مطابقة لما عاشته مارغريت دوراس في جوها العائلي قبل عودتها إلى فرنسا لتستقر نهائياً.
فالواقع أن ثمة تشابهاً بين حياتها العائلية هناك في" آخر العالم"، وتحديداً في عشرينيات القرن الفائت، وبين ما ترويه في هذا النص الفاتن.
فهذه الرواية التي تصور المناخ الكولونيالي في تلك المرحلة الزمنية والتي كتبتها دورا وأصدرتها في عام 1950، أتى ظهورها في زمن كانت السجالات حادة في فرنسا من حول الالتزام السياسي ودور الأدب في التصدي لكل ما هو غير إنساني.
ومن هنا لن يفوت القارئ أن يلاحظ أن في خلفية هذا الكتاب موقفاً متقدماً تعبر عنه الكاتبة وبقدر كبير من التهكم والسخرية والغضب، ومن خلال حكايتها العائلية المعدلة إلى حد ما، كما ستقول مرات ومرات لاحقاً، مناهضاً للمستوطنين البيض والممارسات الفالتة من كل ضمير وليس فقط ضد السكان المحليين بل ضد بعضهم البعض، بفعل جشع كان لا مفر من أن تنتجه المنظومة الكولونيالية نفسها، وليس فقط كمنظومة طبقية ظالمة، بل كمنظومة تفتقر إلى أي أخلاقية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك