في عشرينيات القرن العشرين، عاد الشاعر الشاب أحمد رامي من يعثته الدراسية في أوروبا، أراد تعويض فترة غيابه فصار يلتقي أصدقاءه ومعارفه القدامى، التقى الشيخ أبو العلا محمد الملحن والمنشد المعروف وقتذاك، وكان أبو العلا ملحن قصيدة رامي «الصب تفضحه عيونه»، سأله رامي عن رأيه في المطربة أم كلثوم الشابة.
مدح أبو العلا في أم كلثوم، فرأى رامي أن يحضر إحدى حفلاتها وكانت في حديقة الأزبكية، قدم رامي نفسه لأم كلثوم التي لم تكن رأته من قبل: أنا أحمد رامي الشاعر، ردت أم كلثوم: أهلا، وغنت قصيدته كنوع من الترحيب به.
منذ تلك اللحظة بدأ خيط خفي ينسج بين صوتها وكلماته، خيط لم يكن مجرد تعاون فني، بل نوع من الانسجام العاطفي والذوقي العميق الذي جعل كلا منهما يرى في الآخر امتدادا لذاته الفنية، كان رامي من أوائل من أسهموا في إبراز أم كلثوم وتقديمها للجمهور بشكل مختلف، كانت كلماته مرآة لصوتها، وكان صوتها الحياة التي تنبض داخل قصائده.
في تاريخ الفن العربي علاقات كثيرة بين شاعر ومطرب، لكن القليل منها ارتقى إلى تلك الدرجة من التماهي الروحي التي جمعت بين أم كلثوم وأحمد رامي، لم تكن مجرد علاقة عمل بين صوت وكلمة، بل كانت حكاية طويلة من الشغف الفني، امتدت عبر عقود، وصاغت جانبا مهما من ذاكرة الغناء العربي.
ومع مرور السنوات أخذت هذه العلاقة الفنية تتسع وتزدهر، كتب أحمد رامي لأم كلثوم ما زاد على مائة أغنية أصبحت جزءا من الوجدان العام، فكانت العلاقة بينهما مثالا للتكامل بين الشاعر والمطرب، إذ امتزج صدق الكلمات بعمق الأداء فخرجت أعمال خالدة في الذاكرة العربية.
كان رامي شاعرا رقيق الحس، رومانسي، يميل إلى البوح الهادئ والحنين الطويل، وكانت أم كلثوم تمتلك القدرة النادرة على تحويل الكلمة إلى تجربة شعورية كاملة، حين تغني قصيدة له، لا تبدو وكأنها تؤدي نصا مكتوبا، بل كأنها تعيشه لحظة بلحظة، فتمنح الكلمة عمرا آخر فوق المسرح.
وهنا بالضبط أدركت أم كلثوم قيمة هذا الشاعر الذي يكتب لها كما لو كان يكتب لصوتها وحده، فسخرت موهبته بأقصى ما تستطيع، واختارت من شعره ما يناسب تطورها الفني ويعزز صورتها كصوت للوجدان العربي.
كان أجمل ثمار هذا التعاون كانت قصة رباعيات الخيام، فقد افتتن أحمد رامي بالشاعر الفارسي عمر الخيام، فتعلم اللغة الفارسية ليقرأ رباعياته في أصلها، ثم ترجمها إلى العربية وأعاد صياغتها بروح شعرية عربية رفيعة، ومن بين تلك الرباعيات اختارت أم كلثوم مجموعة غنتها عام 1950، فجاء العمل مزيجا فريدا من الحكمة الفلسفية والصوت المطرب، يقول مطلعها، سمعت صوتا هاتفا في السحر.
نادى من الغيب غفاة البشر، قدمت هذه الأغنية مرات عديدة داخل مصر وخارجها، لتصبح واحدة من التجارب الغنائية الأكثر تميزا في مسيرة أم كلثوم.
لكن ربما كانت الذروة العاطفية لهذا التعاون تتجلى في قصة الأطلال، تلك القصيدة التي كتبها الشاعر إبراهيم ناجي، أعاد أحمد رامي صياغة بعض مقاطعها ونسج بينها أبياتا أخرى من إبداعه، حتى أصبحت نصا غنائيا متماسكا يناسب المسرح الغنائي الكبير، ثم جاء اللحن الخالد من رياض السنباطي ليصوغ القصيدة موسيقيا، فغنتها أم كلثوم لتصبح واحدة من أعظم ما أنجبته الأغنية العربية، بل درة في تاج تراثها الفني.
كان التعاون بين أم كلثوم وأحمد رامي أشبه برحلة طويلة بين الكلمة والصوت، شاعر يسكب في القصيدة ما في قلبه من حنين وألم، ومطربة تمتلك القدرة على تحويل تلك المشاعر إلى حالة جماعية يعيشها الملايين، كان السر الحقيقي في خلود هذا الثنائي أن كل واحد منهما وجد في الآخر ما يكمله، رامي وجد الصوت الذي يليق بحلمه الشعري، وأم كلثوم وجدت الشاعر الذي يفهم روحها ويكتب لها كما لو كان يصغي إلى صوتها قبل أن يولد اللحن.
لم يكن ما قدماه مجرد أغنيات ناجحة، بل كان فنا راقيا يعيش طويلا، خرجت الكلمات من قلب شاعر عاشق، والصوت خرج من حنجرة مطربة عرفت كيف تجعل الشعر حياة تغنى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك