قال المخرج الفلسطيني فايق جرادة إن مسلسل “صحاب الأرض” لا يمكن اعتباره عملًا دراميًا عاديًا، بل هو عمل يمتلك فعلًا وتأثيرًا ويُعد شهادة حية على ما يحدث في غزة، مشيرًا إلى أن المسلسل لم يكتفِ بسرد الحكاية، بل وقف داخلها وفي قلب وجعها وألمها.
وأوضح جرادة أن قراءة العمل يمكن تناولها من أربع زوايا أساسية، أولها الدقة في التفاصيل كشاهد بصري، مؤكدًا أن قوة المسلسل لم تأتِ فقط من المشاهد المؤثرة، بل من التفاصيل الصغيرة؛ مثل الوجوه القريبة، والصمت الثقيل، والأشياء اليومية التي تحولت في زمن الإبادة إلى رموز للوجود، مثل كيس الطحين، ومفتاح البيت، ونظرة الأم، وارتجافة اليد.
وأضاف أن الصورة في المسلسل لم تُجمّل الحدث ولم تُخفف من قسوته، بل كانت شاهدة عليه، ما جعل المشاهد يعيش الإبادة نفسيًا من الداخل وليس عبر نشرات الأخبار.
وأشار إلى أن الزاوية الثانية تتمثل في وضع الإنسان في مركز الحكاية، حيث أعاد المسلسل الإنسان الفلسطيني إلى قلب السرد، من خلال نماذج إنسانية متعددة؛ مثل الطبيب الذي يواجه الموت يوميًا، والأطفال الذين يكبرون فجأة تحت القصف، مؤكدًا أن الشخصيات قُدمت كبشر يضعفون ويحبّون ويخطئون ويتمسكون بالحياة.
وأضاف أن العلاقات في العمل لم تكن مجرد زينة درامية، بل أكدت أن البقاء ليس غريزة فقط، بل موقف أخلاقي، وأن الحفاظ على إنسانيتنا في قلب الموت هو الانتصار الأول.
وتابع أن الزاوية الثالثة تتعلق بالإنتاج كموقف أخلاقي، لافتًا إلى أن اختيار هذا الموضوع ليس قرارًا فنيًا فحسب، بل موقف واضح، ويُحسب للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية تقديم عمل يؤكد أن الدراما ليست ترفيهًا عابرًا، بل أداة وعي وحامل رواية ومنبر للذاكرة، مشددًا على أن إنتاج مثل هذه الأعمال يعني حماية السردية الفلسطينية.
أما الزاوية الرابعة فكانت عن النص بوصفه المادة الخام للصورة، حيث أكد جرادة أن النص الجيد هو الروح الأولى لأي عمل بصري، مشيرًا إلى أن الكاتب والمخرج استطاعا تحويل النص إلى سرد بصري حي من خلال متواليات مشهدية مؤثرة تمسك بالمشاهد وتجعله شريكًا في الحدث.
ولفت إلى أن المشاهد لم تكن مباشرة، بل محمّلة بالرمزية، مثل كيس الطحين والمفتاح والتفاصيل الإنسانية وسط البرد والقصف، لأن “الكتّاب الكبار لا يصرخون بل يرمزون”، على حد تعبيره.
وأضاف أن مسلسل “أصحاب الأرض” ليس حالة منفصلة، بل امتداد لمسار عربي طويل وقفت فيه الدراما والسينما إلى جانب الرواية الفلسطينية، بداية من فيلم “فتاة من فلسطين” للمخرج محمود ذو الفقار عام 1948، مرورًا بـ “التغريبة الفلسطينية” للمخرج حاتم علي، و" الاجتياح" للمخرج شوقي الماجري، وصولًا إلى فيلمي “المخدوعون” للمخرج توفيق صالح و" باب الشمس" للمخرج يسري نصر الله.
وأكد أن هذه الأعمال لم تكن مجرد دراما، بل شكلت أرشيفًا بصريًا عربيًا حافظ على الرواية الفلسطينية حيّة في الوعي الجمعي، موضحًا أنه منذ النكبة لم تكن القضية الفلسطينية خلفية درامية، بل جرحًا مفتوحًا في الضمير العربي وسلاحًا ثقافيًا يواجه التزييف بالصورة والطمس بالذاكرة.
وفي ختام حديثه، وجّه جرادة التحية للمخرج بيتر ميمي، وأبطال العمل إياد نصار، ومنة شلبي، وآدم بكري، وكامل الباشا، ولكل من شارك في العمل خلف الكاميرا وأمامها، مؤكدًا أنهم لم يقدموا مسلسلًا يُشاهَد فقط، بل تجربة تُحَسّ وتُناقَش وتبقى أثرًا في الوعي العربي والفلسطيني.
جاء ذلك خلال الأمسية الرمضانية الاستراتيجية الثانية تحت عنوان: «صحاب الأرض بين الدراما والسياسة.
وغزة بين إعادة الإعمار وإعادة التشكل الجيوسياسي»، بقاعة أمين الرافعي بمقر نقابة الصحفيين.
شارك في الصالون نخبة من الشخصيات العامة، وصنّاع الدراما والخبراء، من بينهم؛ السفير عاطف سالم، سفير مصر الأسبق لدى إسرائيل، وناجي الناجي المستشار الثقافي للسفارة الفلسطينية بالقاهرة، والفنان إياد نصار، والكاتبة الصحفية علا الشافعي رئيس مجلس إدارة «اليوم السابع» ورئيس لجنة الدراما بالشركة المتحدة، والكاتب والسيناريست محمد هشام عبية، والكاتب والسيناريست عمار صبري مؤلفا مسلسل «صحاب الأرض»، إلى جانب تحدث الكاتب الصحفي محمد مصطفى أبو شامة مدير المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك