العيطة فن مغربي أصيل، لا يقوم على اللحن وحده، بل على المعنى الذي تحمله النبرة وهي تخترق الصمت: نداء وإستغاثة، واحتجاج وبكاء، واحتفال يخلط الفرح بالألم.
إنها صيحة واحدة تتسع لذاكرة القبيلة، ولوجدان المرأة، ولحنين المهاجر؛ كأنها وطن صوتي يستعاد كلما إبتعدت المسافات أو إشتدت الغربة.
وفي هذا السر يكمن سحرها: أنها لا تروى فقط، بل تعاش، وتشعر السامع أنه جزء من حكاية أكبر من يومه وأوسع من وحدته.
الجذور والمجال: نداء القبيلة في السهول الأطلسية.
في أصلها الشعبي، العيطة هي النداء: الصيحة التي تستنفر الجماعة، وتستدعي الذاكرة من سباتها لتشهد اللحظة وتمنحها شرعية وجدانية.
وقد تبلورت داخل مجال جغرافي واضح هو سهول عبدة والشاوية ودكالة وما جاورها، في الإمتداد الأطلسي بين الدار البيضاء وآسفي.
هناك تمازجت القبائل العربية مع الشرائح الأمازيغية، وتسربت أصداء أندلسية، فخرج فن متعدد الجذور شديد الخصوصية، يجمع بين روح البادية وإشارات المدينة.
ولأن العيطة إبنة التحولات الإجتماعية، يصعب تثبيت بدايتها في تاريخ واحد.
فهي تشبه نهرا تتغذى روافده من أزمنة متداخلة، ثم تشتد ملامحه حين يحتد الصراع أو تضيق الحياة، فيبحث الناس عن لغة تخفف عنهم ثقل الواقع.
من هنا ليست العيطة غناء للتسلية فقط، بل وثيقة شفوية تسجل التحول: تحول القيم، وتحول العيش، وتحول العلاقة بالأرض والسلطة والمدينة.
العيطة شعر وموسيقى في آن واحد.
نصها يقوم على مقاطع قصيرة تتداخل فيها العربية الفصحى مع الدارجة الممشقة، وتظهر فيها مفردات أمازيغية وإيحاءات أندلسية، في نسيج لغوي يجمع بساطة اليومي بومض بلاغي كثيف.
وفي قلب الأداء يبرز الموال، وهو لحظة حرة يطلق فيها المؤدي أو الشيخة الصوت بلا قيود صارمة، مستندا إلى النداء والتكرار والإستفهام والإلتفات، ليخلق توترا عاطفيا يمهد لدخول الجوقة والإيقاع.
أما الإيقاع فريفي الجذور، يعتمد على الكمانجة والطار والطبل والطعريجة، ثم يتدرج بين البطء التأملي والحماس الراقص.
كأن العيطة تدرب السامع على إنتقال نفسي: من حزن يقطر ببطء إلى فرح يشتعل فجأة، ومن شجن داخلي إلى إنخراط جسدي في الرقص والتصفيق.
ومع مرور الزمن إتسعت التشكيلات الموسيقية وظهرت آلات حديثة، فحصل نوع من تمدين الصوت دون أن ينقطع حبله السري عن نبضه الأول.
تتعدد ألوان العيطة بتعدد المجالات والإيقاعات والمواضيع.
لكل لون روحه ومناخه، لكن الجامع بينها أنها تؤدي وظيفة إجتماعية عميقة.
فهي تغنى في الأعراس والمواسم، لكنها أيضا تحمل ذاكرة الوقائع والتحولات، وتتحول أحيانا إلى منبر رمزي للإحتجاج، وإلى ديوان للعشق وأوجاع النساء والرجال في الريف والمدينة.
والعيطة لا تقول الأشياء بوجه مباشر دائما؛ بل تراوغ عبر الرمز والإيحاء، وتمرر النقد ببلاغة شعبية تجمع بين الحكمة والسخرية والتلميح.
لذلك تبدو كأنها لغة ثانية للمجتمع: حين يعجز الناس عن قول الحقيقة صراحة، تقولها العيطة في صورة مغناة تحفظ الكرامة، وتخفف الخوف، وتبقي الأمل قابلا للتداول.
ارتبطت العيطة في المخيال المغربي بصوت المرأة، غير أن هذا الحضور لم يكن دائما سهلا.
فقد مرت مراحل تم فيها إقصاء المرأة عن الخشبة أو التضييق عليها، ثم عاد صوتها ليحتل مكانه الطبيعي، لا بوصفه زينة للمشهد، بل بوصفه مركزا للمعنى.
فالشيخة ليست مجرد مؤدية تطرب الجمهور، بل ذات ناطقة تحمل ذاكرة جماعة كاملة، وتنقل معاناتها وأفراحها، وتدفع في المقابل ثمن نظرة اجتماعية متحفظة.
ومع صعود أسماء لامعة استطاعت العيطة أن تعبر من الهامش إلى حضور أوسع، وأن تثبت أن صوت المرأة في هذا الفن ليس حادثا طارئا، بل جزء من بنيته العميقة: لأن العيطة نفسها ولدت من الحاجة إلى الكلام حين يصعب الكلام، ومن الرغبة في تحويل الألم إلى غناء.
من أكثر صور العيطة قوة في بعدها الإحتجاجي أسطورة الشيخة خربوشة، التي تحولت في الذاكرة الشعبية إلى أيقونة مقاومة ضد الظلم.
في الحكاية المتداولة، واجهت الإستبداد بالكلمة المغناة، وجعلت من العيطة صوتا يفضح الطغيان ويستنهض الكرامة، قبل أن تقمع وتصبح أسطورة تعيش في النصوص والألحان.
وتكشف هذه الحكاية جوهر العيطة: أنها لا تكتفي بوصف الواقع، بل تجادله وتقاومه.
قد تهزم الكلمة أمام القمع في لحظة ما، لكنها تنتصر حين تبقى حية في الذاكرة، وحين تتحول إلى تراث يتناقله الناس جيلا بعد جيل.
الغربة في التجربة المغربية ليست سفرا فقط، بل تغييرا في الإيقاع واللغة والعلاقات.
لذلك تصبح العيطة للمهاجر جسرا روحيا يعود به إلى النداء الأول: نداء الأرض والأم والقبيلة.
داخل مقهى بعيد أو قاعة أفراح في المهجر، تعيد العيطة ترتيب المكان: تصنع دوارا رمزيا، وتمنح الجسد المقتلع فرصة ليشعر أنه لم ينقطع تماما.
وتبدو بعض العيطات كأنها أسئلة هوية معلقة: من أين جئت؟ وأين أنتمي؟ وكيف ألتقي بالآخر دون أن أفقد نفسي؟ في هذا المعنى تصبح العيطة إحتجاجا رقيقا ضد المحو، وإحتفالا عنيدا بالإستمرار: تقول للغربة إن الذاكرة أقوى من المسافة، وإن الإنسان يستطيع أن يتغير دون أن يتبرأ من جذوره.
ليست العيطة قطعة متحفية ولا زخرفة فولكلورية جامدة؛ إنها ذاكرة حية تتجدد لأنها تتغذى من حاجة الناس إلى الصوت والمعنى.
تجمع بين الشعر والموسيقى، بين القبيلة والمدينة، بين المرأة والجماعة، بين الوطن والغربة.
وهي في جوهرها صيحة تذكرنا بأن الفن حين يخرج من قلب التجربة الإنسانية لا يموت، بل يبدل أشكاله ويواصل النداء: نداء الحنين، ونداء الكرامة، ونداء الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك