لا يمكن الحكم على التجربة الأولى للمخرج من العمل الأول، لكن هناك شخصيات قليلة تفرض نفسها على الساحة من أول مشهد، وتكشف إذا كان ما سنشاهده في المشاهد التالية يدفعنا لاستكمال العمل أم الانصراف عنه، مايا زكي واحدة من هؤلاء القلائل الذين فرضوا شخصيتهم بعملها الأول مسلسل" حد أقصى" الذي عرض في النصف الأول من الموسم الدرامي لرمضان ٢٠٢٦.
لا أعرف كيف أحدثت مايا زكي هذا التوازن الذي قدمته في كادراتها المميزة التي حافظت فيها روح وصورة دراما التسعينات بشكل شوارعها ومبانيها الأصيلة محتفظة بهوية المكان وجعله جزءًا من الأحداث وهي مسألة مفقودة في أغلب أعمالنا الدرامية التي تقدم خلال السنوات الأخيرة، ويتوازى مع ذلك الإيقاع السريع الذي تعاملت به مايا زكي مع قصة المسلسل التي تحمل كثير من التشويق بخلاف إندراجها تحت قائمة ١٥ حلقة وهو ما يعني أن يكون المخرج مسيطرًا سيطرة كاملة وتامة على الإيقاع الخاص بسير العمل وأداء الممثلين وهو ما أجادت المخرج في تنفيذه.
الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة هي جزء من هوية وشخصية المخرج، وتكشف عن مدى احترافيته في التعامل مع مشروعه بشكل واعي، هنا في مسلسل" حد أقصى" منحت مايا زكي تفاصيل صغيرة ربما جعلت منها تفسيرات للتحول الذي يحدث في شخصية البطلة" صباح" التي تلعب دورها النجمة روجينا، في مقدمتها التمسك بارتدائها ملابس التيجر طوال الأحداث والذي كشف عن أمرين الأول يتمثل قبل مرحلة كشف" صباح" لحقيقة خداع زوجها لها، فارتداءها لملابس التيجر هنا هو محاولة منها لتعويض النقص الذي تشعر به عندما كانت تعيش في وهم عجزها عن الإنجاب، أما مرحلة ما بِعد التحول ودخولها في" عش الدبابير" لرجال الأعمال الذين يجرون عمليات غسيل أموال مشبوهة فيمثل ارتداءها للملابس هنا القوة التي باتت عليها شخصيتها بعد اكتشافها كثير من الحقائق والأزمات التي وقعت فيها.
كثير من التفاصيل التي صنعتها مايا في كادراتها التي كانت تجلس فيها البطلة" صباح" في بلكونة منزلها بالدور الأول المطلة على الشارع، وكأنه تأكيد على الراحة النفسية التي تشعر بها" صباح" في هذا المكان وداخل هذا الحي الذي رغم عملها في سوق العقارات لم يكن ذلك أحد أحلامها وطموحها بل كان الإنجاب هو حلمها الوحيد، وما بين هذا وذاك تأخذنا كاميرا مايا في كادرات طبيعية لشكل أحياء القاهرة ووسط المدينة ببساطة تفاصيلها" بين تقليب عامل القهوة لكوباية الشاي، وآخر يقوم بتقريص أقراص الطعمية" حتى مع انتقال كاميرا مايا زكي لمجتمع الأثرياء لم تبالغ في إظهار ديكورات ضخمة أو مباني فارهة باسثناء مطعم الباشا الذي جسد دوره الفنان محمود قابيل.
من الصعب أن تقود الابنة فنانة كبيرة بحجم روجينا وتفصل فيها مشاعرها بين علاقتها بها كأم وبين عملها كمخرجة، ولكن الحقيقة أن الروح وتلاحم روجينا مع شخصية" صباح" يؤكد على مدى تماهيها مع الشخصية بتلك التفاصيل وبروفات العمل التي جرت بينها وبين المخرجة وهذا من جانب، أما الجانب الآخر فيكشف عن قوة شخصية مايا زكي وتعاملها مع مشروعها بمنتهى الجدية التي فصلت فيها بين الجانب العائلي والعملي.
تمثل تجربة مسلسل" حد أقصى" مرحلة فارقة في مشوار مايا زكي الفني الذي صنعت بصمتها وهويتها فيه من العمل الأول لها، على مستوى الإيقاع والاحتفاظ بشخصية المكان والتنوع في اختيار أبطال غير تقليدين على الشاشة، ونجحت في تقديم شكل الإثارة لمشروع يبدو عاديًا لكنه يحمل كواليس وتطورات سريعة ومثيرة في كل حلقة بدون أن يسقط منها الإيقاع أو تشعر المشاهد بنوع من الملل، لتضع ختامًا موجعًا في كادر مؤثر ينهي حياة البطلة صباح بعد إطلاق الرصاص عليها على أنغام وصوت الكينج محمد منير بأغنيته الشهيرة" جمر الهوى".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك