على مدار أربع سنوات مضت، كان آخرها أمس في حفل إفطار الأكاديمية العسكرية المصرية.
تحدث الرئيس السيسي أكثر من مرة عن ضرورة توافق مخرجات الجامعات مع سوق العمل.
وتحدث سيادته صراحًة قبل ذلك عن تخصصات بعينها.
ومع ذلك وللأسف صدرت قرارات تعيين معيدين بهذه التخصصات حتى وقتنا هذا، بحجة تنفيذ الخطط الخمسية للأقسام العلمية والكليات في التعيينات.
وكأن الخطط الخمسية تضاهي القواعد الدستورية، التي تسمو على توجيهات وتعليمات رئيس الجمهورية.
وكان من مظاهر ذلك التحدي والتحايل، نشر هذه القرارات على وسائل التواصل الاجتماعي مصحوبة بالتبريكات والتهاني.
وفي الحقيقة فإن القيام بتعيين معيد في تخصص لفظه سوق العمل، قد ارتكب جريمة إهدار مال عام، من خلال توريط الدولة وتكبيد ميزانيتها بسداد مرتب هذا المعيد لمدة 38 سنة على الأقل حتى إحالته للمعاش.
وبعد المعاش كأستاذ متفرغ في تخصص قد مات إكلنيكيًا.
بعض الأقسام والكليات النظرية تمثل أعشاش الدبابير، ومجالسها العلمية عبارة عن مجالس آباء لتعيين الأبناء وتوريثهم الوظيفة.
حتى أصبحت هناك عائلات كاملة مسيطرة على كليات واقسام وهذا الأمر ليس بخفي على أحد.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أصبحت الجامعات محطة انتظار أو ترانزيت للعبور إلى الهيئات القضائية.
فالمعيدون في كليات الحقوق لا يمكثون بها إلا عامين على الأكثر حتى صدور قرار تعيينهم في الجهات القضائية، ويستقيل بعدما يكون قد أضاع على الجامعة والدولة درجة مالية.
وربما كانت كليات أخرى أكثر أهمية مثل كليات القطاع الطبي التي تخدم المجتمع أشد حاجة لهذه الدرجة المالية التي استغلها هذا المعيد الانتهازي، وأضاع فرصة خريج آخر في الجامعة، وأضاع فرصة آخر في التعيين في الجهات القضائية.
في حين أن نظيره في كلية الشرطة يقوم بدفع مبلغ كبير نظير قبول استقالته قبل الخدمة 10 سنوات.
إلا أن معيد الحقوق يظل في الجامعة حتى آخر يوم قبل استلامه العمل في الهيئة القضائية، لكي لا يضيع على نفسه جنيهًا واحدًا.
وطبعًا كما يقول المثل المصري" اللي يلاقي يدلع وميدلعش.
".
لذا فإنني أرى أن وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات في تحدي كبير أمام تنفيذ توجيهات الرئيس السيسي، وأمام قوى المقاومة وأعشاش الدبابير داخل الجامعات.
لذا أقترح الآتي على الجهات المختصة وأهمها مجلس النواب المصري، ودولة رئيس مجلس الوزراء، ووزير التعليم العالي:
1- سرعة تعديل قانون تنظيم الجامعات، بما يسمح بمرونة غلق الأقسام والكليات التي لا يحتاجها سوق العمل وفق للمستجدات والمتغيرات الاقتصادية والسكانية في مصر والعالم.
2- إمكانية نقل أعضاء هيئة التدريس في تلك التخصصات إلى وظائف عامة، أو تكليفهم بمهام إشرافية وإدارية وأكاديمية داخل الجامعات، والاستفادة من خبراتهم الإدارية إن وجدت.
3- أن يكون التجديد بعد سن الـ 60 وفقًا للخطة التشغيلية والاحتياجات الفعلية للأقسام العلمية، وذلك مما يحدث في الدول العربية الشقيقة.
وليس كما يتم في مصر بشكل آلي، حتى أصبح أعضاء هيئة التدريس لا يجدون كراسي أو مكاتب، وذلك لعدم الخروج إلا بالوفاة.
وهذا أمر غير معمول به إلا في مصر.
4- التوسع في التخصصات المهنية قصيرة ومتوسطة الأجل، ومساواة خريجيها في المعاملة التجنيدية مع خريجي البكالوريوس.
5- حصر مباني الكليات النظرية، وإجمالي مساحتها، وتقديم تصور حول مدى إدارتها اقتصاديًا والاستفادة منها مثل تأجيرها للمعاهد العليا الخاصة، أو المعاهد الحديثة الجاري ترخيصها في مرحلة التشغيل التجريبي، بدلًا من شراء أرض وتحمل تكلفة البناء والتأثيث.
6- سرعة تشكيل لجنة عليا من جهات عديدة خاصة بإعادة الهيكلة في الجامعات والإدارة الاقتصادية الرشيدة.
7- سحب قرارات التعيين في الكليات النظرية التي لم يمضِ عليها 60 يومًا، وسرعة إيقاف القرارات الجاري صدورها.
وتحديد أولوية في سياسات التعيين وآلية جديدة تضمن الكفاءة وحسن الاختيار.
8- استمرار الدراسات العليا بهذه الكليات ولكن تكون الدراسة بدون دعم وبتكلفتها الفعلية، وتخصص عوائدها لتغطية مرتبات ومكافآت كبار الأستاذة القائمين بالتدريس في الدراسات العليا والإشراف على الماجستير والدكتوراه.
وفي النهاية لابد أن أنحني تقديرًا واحترامًا وفخرًا للرئيس السيسي، الذي يتعامل مع مصر بضمير الأب الذي يخاف على المقدرات.
ولا يقيم أي مواءمة او توازنات مع أي مراكز للقوى، فلا يقرر إلا ما يمليه عليه ضميره، ورؤيته الواعية للأرقام والحقائق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك