إيلاف - هل بدأت "النماذج" تخيف صانعيها؟ أنثروبيك تطلب زرّ إيقاف عالمي للذكاء الاصطناعي "قبل آن.."! قناه الحدث - كييف تعلن استهداف سفنا ببحر آزوف وموسكو تتحدث عن 5 ضحايا قناة الغد - الاتحاد الأوروبي: لا مؤشرات على نقص وقود الطائرات رغم أزمة هرمز العربية نت - مسؤولون إسرائيليون يقرون: توبيخ ترامب لنتنياهو أضعفه فرانس 24 - الأصول المصرفية في الإمارات ترتفع إلى 5.57 تريليون درهم قناه الحدث - مسؤولون إسرائيليون يؤكدون: توبيخ ترامب لنتنياهو أضعفه وكالة الأناضول - سي إن إن: حريق حاملة الطائرات "فورد" استمر 30 ساعة وأحرق 600 سرير يني شفق العربية - وزير خارجية بنغلاديش يثمن الدور التركي في أزمة الروهينغا العربية نت - 5 قتلى أذربيجانيين في هجوم مسيرات على سفن ببحر آزوف فرانس 24 - غوستافو بيترو لفرانس برس: حلفاء ترامب في كولومبيا "مهرّبو مخدرات"
عامة

أعلام التصوف من النساء (17) بنت أبي الحسن المكي الزاهدة التي تعب منها الحلال

الوطن
الوطن منذ 3 أشهر
2

أغلق سرحان الكتاب، حين دخل عليه عرفان. نظر الأخير إلى الغلاف فقرأ «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» وتحته اسم مؤلفه «محمد بن فهد الهاشمي»، فهز رأسه، وقال: .- كتاب مهم اطلعت عليه قبل سنين، فيه تاريخ مكة ...

ملخص مرصد
ناقش سرحان وعرفان قصة بنت أبي الحسن المكي الزاهدة التي عاشت بمكة المكرمة، وتعرف على حياتها التقشفية من خلال كتاب «صفوة الصفوة» لابن الجوزي. كانت بنت أبي الحسن تقتات بثلاثين درهماً سنوياً، وترفض أي مال غير حلال، مما جعلها مثالاً للزهد والورع بين النساء المتصوفات.
  • بنت أبي الحسن المكي كانت تقتات بثلاثين درهماً سنوياً من أبيها.
  • رفضت المال الذي لم يكن حلالاً، حتى لو كان من جاره ابن الرواس.
  • عاشت حياة تقشفية وتعبدية، وأصبحت مثالاً للزهد بين النساء المتصوفات.
من: بنت أبي الحسن المكي أين: مكة المكرمة

أغلق سرحان الكتاب، حين دخل عليه عرفان.

نظر الأخير إلى الغلاف فقرأ «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» وتحته اسم مؤلفه «محمد بن فهد الهاشمي»، فهز رأسه، وقال:

- كتاب مهم اطلعت عليه قبل سنين، فيه تاريخ مكة المكرمة، ما مرت به من أحداث، وما صنعه أهلها والوافدون عليها من أخبار، وأشهر من كان فيها من الأعلام.

- لكني لم أجد فيه ما كنت أبحث عنه.

- كنت أبحث عن فتاة تُسمى بنت أبي الحسن المكي.

- لا أعتقد أن هذا الكتاب يسعفك، إنما عليك بكتاب «صفوة الصفوة» لابن الجوزي.

- ليس بالكثير، لكنه مسكون بالعبرة والحكمة العظيمة.

- ستعرف ما أقصد إن حكيت لك قصتها التي تكفي وحدها كي تضعها في صفوف الزاهدات العابدات الورعات.

- هات كتاب «صفوة الصفوة» وسنقرأ معاً، وستنتهي إلى ما انتهيت أنا إليه.

نهض سرحان، وسحب مجلدين من فوق الرف، وفتح أحدهما على الصفحات التي دله عليها عرفان، ثم راح يقرأ:

«عن عبدالله بن أحمد بن بكر قال كان لأبي الحسن المكي ابنة مقيمة بمكة أشد ورعاً منه، وكانت لا تقتات إلا ثلاثين درهماً، ينفذها إليها أبوها في كل سنة، مما يستفضله من ثمن الخوص الذي يسفه ويبيعه.

فأخبرني ابن الرواس التمار وكان جاره قال: جئت أودعه للحج، وأستعرض حاجته، وأساله أن يدعو لي فسلم إلىَّ قرطاساً، وقال: تسأل بمكة في الموضع الفلانى عن فلانة، وتسلم هذا إليها، فعلمت أنها ابنته.

فأخذت القرطاس وجئت فسألت عنها، فوجدتها بالعبادة والزهد أشد اشتهاراً من أن تخفى، فتتبعت نفسي أن يصل إليها شيء من مالي، يكون لي ثوابه، وعلمت أنني إن دفعت إليها ذاك لم تأخذه، ففتحت القرطاس، وجعلت الثلاثين خمسين درهماً، ورددته كما كان وسلمته إليها فقالت: أي شىء خبر أبي؟ فقلت: سلامة، فقالت: قد خالط أهل الدنيا، وترك الانقطاع إلى الله تعالى؟ فقلت: لا.

فقالت: أسألك بالله، وبمن حججت إليه إذا سألتك عن شىء فتصدقني؟ فقلت: نعم.

فقالت: خلطت بهذه الدراهم شيئاً من عندك؟ فقلت: نعم، فمن أين علمتِ بهذا؟ فقالت: ما كان أبي يزيدني على الثلاثين شيئاً؛ لأن حاله لا تحتمل أكثر منها، إلا أن يكون ترك العبادة، فلو أخبرتنى بذلك ما أخذت منه أيضاً شيئاً.

ثم قالت: خذ الجميع، فقد عققتني من حيث قدرت أنك تبرني.

فقلت: ولمَ؟ قالت: لا آكل شيئاً ليس هو من كسبي ولا كسب أبي، ولا آخذ من مال، لا أعرف كيف هو، شيئاً.

فقلت: خذي منها ثلاثين كما أنفذ إليك أبوك، وردي الباقي، فقالت: لو عرفتها بعينها لأخذتها، ولكن قد اختلطت بما لا أعرف جهته، فلا آخذ منها شيئاً، وأنا الآن أقتات إلى الموسم الآخر من المزابل، لأن هذه كانت قوتى طول السنة، فقد أجعتني، ولولا أنك ما قصدت أذاي لدعوت عليك، قال: فاغتممت، وعدت إلى البصرة، وجئت إلى أبي الحسن فأخبرته، واعتذرت إليه، فقال: لا آخذها وقد اختلطت بغير مالي، وقد عققتني وإياها، فقلت: فما أعمل بالدرهم؟ قال: لا أدري.

فما زلت مدة أعتذر إليه، وأسأله ما أعمل بالدراهم؟ فقال لى بعد مدة: تصدّق بها، ففعلت».

- ألم أقل لك إنها مضرب الأمثال في تحري الحلال؟ !

- لا أعرف إن كانت هي أشد حرصاً على هذا أم أبوها؟- هي أشد، إذ كانت بحاجة أكثر إلى المال، فثلاثون درهماً في العام لا تكفى شيئاً، حتى إنها اضطرت إلى أن تأكل مما يتركه الناس، فما بالك لو حُرمت من هذه النقود عاماً كاملاً.

لقد كان هذا الموقف وحده لافتاً حتى صار المؤرخون والمتصوفة يضعون صاحبته ضمن طبقات النساء الزاهدات العابدات الشهيرات في مكة، ثم في سائر أيام المسلمين.

- وهل فاضل من سبقونا بينها وبين أبيها في ما انتهينا نحن إليه؟ سأل سرحان.

- نعم، قالوا إنها أشد ورعاً من أبيها، وضربوا بها الأمثال في التقشف والعبادة وعزة النفس.

- عزة نفس وهي تأكل مما يهمله الناس؟ !

- لم تسأل أحداً عن شىء، ولو سألت ما لامها غيرها، لكنها آثرت ألا تمد يدها، وتُضيق على نفسها، ولم يمنعها شظف العيش من مواصلة التعلم والعبادة.

- ألم يكن بوسع أبيها أن يزيد لها في الأعطية؟ !

- كان هذا ما يبقى منه، ولم يكن باستطاعته أن يزيد، فهو كان يمتهن عملاً بسيطاً كما رأيت، وكان مثلها زاهداً، يرضيه القليل، ولذا وضعه من رصدوا تاريخ المتصوفة بين الزهاد والعباد الذين عُرفوا في الطبقات بالورع الشديد، والاعتماد التام على المكسب الحلال الخالص.

وقيل إن الناس كانوا يقصدونه لطلب الدعاء، مما يدل على صلاحه، وعلو مكانته بين أهل زمانه.

- وهل كان جاره ابن الرواس من الصالحين أيضاً؟- قيل هذا، وهو ما تدل عليه الحكاية، فقد زاد في الأعطية التي أمدّه بها أبوالحسن المكي لابنته، ونقل عنه أنه قال إنه كان يريد مما فعل أجراً من الله، وكم آلمه أن تكشفه البنت التقية، ولو مر الأمر، لأسعده كثيراً أنه أسهم في التخفيف عنها.

- أعرف أن في هذا الزمن كانت بمكة زاهدات غيرها، وربما ساعدها هذا على التغلب على المشقة.

- صدقت، فقد عاصرت بنت أبي الحسن المكي نسوة انقطعن للعبادة والعلم في رحاب الحرم المكي الشريف، وجميعهن ممن شهد لهن من عاشوا أيامهن، وذكرهن مؤرخو التصوف وأهله، مع من ذكروا على مدار التاريخ.

- ذكرهن الإمام ابن الجوزي في «صفة الصفوة»، ومنهن حكيمة المكية، التي عُرفت بكثرة التعبد والتهجد والزهد.

وهناك امرأة تسمى نقيش بنت سالم، وكانت هي الأخرى من العابدات الملازمات للحرم.

وتوجد كذلك عائشة المكية، التي نُسبت للمكان، وكانت عابدة وُصفت بالزهد والورع.

- أليس هناك غير هؤلاء النسوة الثلاث؟ سأل سرحان.

حفر عرفان في ذاكرته، وساد بينهما صمت، قطعه قائلاً:

- هناك أخريات مجهولات، فقد قيل إن هذه الفترة التي كانت فيها بنت أبي الحسن المكية ملازمة للحرم، حافلة بزاهدات، ضاعت أسماؤهن في دهاليز التاريخ.

هنا قال سرحان ويغمره فرح وكأنه عثر على كنز ثمين:

- يقال إن هناك جارية سوداء كانت ضمن هؤلاء الزاهدات.

- نعم، وأتذكر أن هذه الجارية كان يتردد عليها كبار التابعين مثل عطاء ومجاهد، وكانت تعظ فيهما، وتذكرهما بالله دوماً.

عاد عرفان إلى الصمت، وهو ينظر إلى «صفوة الصفوة»، فتحتشد ذاكرته بما قرأه فيه عن المتصوفات، لكنه لم يلبث أن عاد إلى حكاية بنت أبى الحسن المكى، فقال:

- حكايتها يستدل بها علماء على علو الهمة في الزهد، والأكثر في برهانهم على ضرورة توخي الحلال الصرف، الذي لا تشوبه شائبة، فهذا شرط ضرورى لاستقامة العبادة.

مصمص عرفان شفتيه، ثم نطق في تأثر:

- لله در أبوالحسن المكي، فقد كان متعفّفاً عن أموال الناس، واكتفى طوال حياته بلقيمات يقمن صلبه، يأكلها من كده، وعنه ورثت ابنته ما كان عليه، وصارا معاً مضرباً للأمثال في هذا.

- يحرص أغلب الناس على أن يتركوا لأبنائهم مالاً أو عقاراً.

قلة هم الذين يورثونهم الورع والتعفّف على هذا النحو.

- ما أجمل أن تتفوق البنت على أبيها.

- نسيت أن أسالك عن اسم هذه الفتاة.

اكتسى وجه عرفان بمسحة من حزن، وقال:

- من أسف، لم يذكر أحد اسمها، وتكفينا حكايتها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك