قناة الجزيرة مباشر - How Do Tensions with Iran Affect the American Farmer's Crops? قناة التليفزيون العربي - تصريحات متناقضة تتقاطع بلبنان بشأن فهم الاتفاق الدبلوماسي مع إسرائيل.. ما أبرز ما يرشح؟ قناة الجزيرة مباشر - هرمز.. الورقة الاقتصادية القوية التي تخشى إيران خسارتها عند توقيع الاتفاق مع أمريكا Manchester United - مان يونايتيد - Omar Berrada On Transfers, Finances, Season Review & The Future... | Inside Carrington قناة الحرة - كيف تعيد الصين رسم الخرائط بجيش من أشباح البحار؟ القدس العربي - صحيفة عبرية: “الهدوء المؤقت”.. هل تقع إسرائيل في فخ التسوية مع لبنان مرة أخرى؟ قناه الحدث - ولي العهد السعودي يؤكد لملك البحرين إدانة المملكة للاعتداءات الإيرانية الجزيرة نت - قبائل ومجالس ليبية تتوحد ضد "توطين" المهاجرين غير النظاميين وكالة الأناضول - أنقرة.. تركيا والنيجر تعززان علاقاتهما بتوقيع اتفاقيات تعاون قناه الحدث - منظمة حظر الكيماوي: سوريا سلمتنا 34 صندوقاً من الوثائق
عامة

يسرا زهران تكتب: «نيكولا ساركوزي».. «أمير الانتقام» يبحث عن نهاية سعيدة!

الوطن
الوطن منذ شهرين
1

يمكنك أن تقول ما شئت عن رئيس فرنسا الأسبق «نيكولا ساركوزي»، لكن أحداً لا يمكنه أن ينكر أنه شخصية مثيرة للاهتمام. إما أن يتحمس له أنصاره بعنف، أو يكرهه معارضوه بعنف. ينقسم المجتمع الفرنسي بسببه وهو في ...

ملخص مرصد
نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي الأسبق، يروي في مذكراته عن فترة سجنه بتهمة تلقي أموال من القذافي، ويكشف عن تحوله للإيمان وقراءته لرواية "كونت دي مونت كريستو"، كما يتحدث عن لعبة غامضة كانت ترسل لزوجته باقات ورد يومياً.
  • ساركوزي أول رئيس فرنسي يحكم عليه بالسجن ويقضي عقوبته
  • تلقى المناولة لأول مرة منذ سنوات في السجن على يد كاهن
  • زوجته تلقت باقات ورد يومية موقعة باسم بطل رواية "أمير الانتقام"
من: نيكولا ساركوزي أين: سجن في فرنسا

يمكنك أن تقول ما شئت عن رئيس فرنسا الأسبق «نيكولا ساركوزي»، لكن أحداً لا يمكنه أن ينكر أنه شخصية مثيرة للاهتمام.

إما أن يتحمس له أنصاره بعنف، أو يكرهه معارضوه بعنف.

ينقسم المجتمع الفرنسي بسببه وهو في السلطة وتنقسم الآراء حوله بعد خروجه منها.

وفي كل الحالات، ووسط كل النقاشات والخلافات يخرج هو دائماً المستفيد، حتى لو كان في السجن!

إنه أول رئيس في تاريخ الجمهورية الخامسة في فرنسا يحكم عليه القضاء بالسجن، وأول رئيس يقضي عقوبته فيه، الأمر الذي شكل سابقة تاريخية توقف الفرنسيون كثيراً أمامها، وهم يشهدون بأعينهم سقوط رجل شغل يوماً ما أعلى المناصب القيادية في بلادهم إلى حضيض يشاركه فيه عتاة المجرمين.

كان مشهداً دراماتيكياً لا يقل إثارةً عن فترة رئاسة «ساركوزي» التي استمرت ما بين عامي 2007 و2012.

وفى تلك الفترة، كانت «طلقات ساركوزي»، وسياساته الحادة تثير جدلاً واسعاً بين الفرنسيين، بدفاعه المعلن والعنيف أحياناً عن قيم العلمانية الفرنسية، أو بالنقاش الشهير الذي أطلقه متسائلاً عن «معنى أن تكون فرنسياً»، ومطالباً بسياسات أكثر صرامة فيما يتعلق بالمهاجرين الذين لا يستوعبون قيم المجتمع الفرنسى، والتي أدت لاتهامه في النهاية باتخاذ مواقف متحيزة ضد المهاجرين من شمال أفريقيا تحديداً، أو ضد المسلمين في فرنسا بشكل عام.

«ساركوزي»: ثلاثة سجناء هددوني في فيديو يطالبون خلاله «بالثأر للقذافى».

وتساءلت عن كيفية وجود كل هذه الهواتف المحمولة داخل السجن.

إنه الرئيس الفرنسى الذي دفع بشراسة لتدخل حلف «الناتو» لضرب ليبيا وإسقاط نظام «معمر القذافي» في 2011، وبسبب «القذافي» أيضاً، دخل «ساركوزي» السجن بتهمة تلقي أموال من الرئيس الليبي الراحل لتمويل حملته الرئاسية في 2007، حتى قيل إن «القذافي» قد انتقم منه بعد موته!

إلا أن «ساركوزي» وحده يقدر على تحويل «تراب» السجن إلى «ذهب» تدفق إلى جيبه بعد أن نشر مذكراته حول فترة سجنه في كتاب، كان وما زال يحقق في فرنسا أعلى المبيعات.

يحكي «نيكولا ساركوزي» في مذكراته التي صدرت بعنوان «يوميات سجين»، في أكثر من مائتي صفحة، أحداث ما لا يزيد على عشرين يوماً في السجن.

قضاها بين أكتوبر من العام الماضي حتى نوفمبر من العام نفسه.

لكنها كانت كافية ليعود الرئيس الفرنسي الأسبق ليشغل الفرنسيين بحواراته وآرائه وحكاياته التي لا يتوقع أحد كيف تنتهي.

ذلك الرئيس العنيد الذي عرفه العالم متخصصاً في إلقاء القذائف والقنابل الكلامية والفعلية، وخصماً لدوداً لمن يعارضه في الرأي، ظهر في يومياته كسجين في ثوب جديد، يكشف عن ملامحه الإنسانية التي ينتابها الضعف وعلامات التقدم في السن.

يحكي «حدوتة» عن رئيس فرنسا الأسبق الذي عرف معنى الإيمان من جديد وسط ظلمة السجن، الذي دخله حاملاً معه كتاباً عن حياة السيد المسيح، يساعده كما يقول على حمل صليب الظلم الذي يتعرض له، وكتاباً آخر لواحد من أشهر الروائيين الفرنسيين، يعكس على ما يبدو تصوره لحكايته الخاصة، هو كتاب «كونت دى مونت كريستو» للكاتب الفرنسى المعروف «ألكسندر دوما».

تلقيت مناولتي الأولى في السجن منذ سنوات عديدة.

وكاهن ذو شخصية «مبتكرة» أثار اهتمامي بالقداس دون أن يفرض شيئاً علىّ.

إنها رواية أشهر من نار على علم، يعرفها كثيرون منا من النسخة المصرية التي قدمها المخرج المبدع «هنري بركات» في فيلمه الذي حمل اسم «أمير الانتقام» من بطولة «أنور وجدي»، أو «أمير الدهاء» من بطولة «فريد شوقى».

وتحكي عن رجل يتعرض للسجن ظلماً بدافع من أحقاد مختلفة عليه، قبل أن يخرج منه لينتقم من كل من تسببوا في سجنه.

وجد «ساركوزي» في بطل الرواية الفرنسية الأصلية، الذي كان يحمل اسم «إدموند دانتس» رفيقاً يؤنس وحدته داخل السجن وهو يصبّره بوعود الانتقام.

لكن الطريف كما يحكي، أن زوجته المطربة الفرنسية - الإيطالية الشهيرة «كارلا بروني»، كانت تتلقى كل يوم طيلة فترة سجنه، باقة ورد كبيرة عليها بطاقة تحمل توقيع مرسلها، بطل الرواية نفسه «إدموند دانتس».

كانت لعبة مسلية لا يعرف «ساركوزي» ولا زوجته من يقف وراءها، تحولت إلى «فزورة» يحاولان نسيان هموم السجن بالانشغال في حلها، حتى عرفا أن أحد أقرب أصدقاء «ساركوزي» قام بهذه الدعابة كنوع من المساندة، التي قال عنها «ساركوزي»: «إنها كانت تحمل رسالة مزدوجة، عن العودة للحياة من جديد وأيضاً عن الانتقام.

إن «إدموند دانتس» لا ينسى شيئاً، وينجح في العثور على كل واحد ممن تسببوا في سجنه ويعطى كل واحد منهم العقاب الذي يستحقه.

ليس لدىّ أدنى شك في أننى مثله، سأعود للحياة من جديد.

من يكذبون ويتآمرون ضدي لا يمكن أن يربحوا على المدى البعيد.

أما الانتقام، فرغم أنني لا أحبه، وليس من طبعي، ولا أريد أن أتدنى إلى حد إحداث الضرر لمن تسببوا في إيذائى، إلا أننى أعرف أنه لا بد علىّ أن أعيد النظر في هذه القناعات من جديد».

كاهن السجن كان يرى الخير حتى في أشد النفوس إظلاماً.

وعلى من يسخرون من تحولي المفاجئ للإيمان أن يفكروا أولاً في معنى الحبس.

لم تأتِ هذه الرغبة في الانتقام من فراغ.

لقد أمضى «نيكولا ساركوزي» ليلته الأولى في السجن في حالة من الرعب من ضجيج السجناء الآخرين الذين استقبلوه بالسباب والتهديد من داخل زنازينهم كأنهم يقولون له، على حد تعبيره: «مرحباً بك في الجحيم».

لكنه أمضى بقية الليلة وهو يشاهد في زنزانته مباراة ضمن دورى أبطال أوروبا بين فريقه المفضل «باريس سان جيرمان» الفرنسى و«باير ليفركوزن» الألماني! كان لديه جهاز تليفزيون في «زنزانته» عليه القنوات الرئيسية الفرنسية بالإضافة إلى قناة رياضية مشفرة، هي التي شاهد عليها المباراة، التي وصفها قائلاً: «لا يمكنني أن أقول طبعاً أننى كنت أشاهد فريقى المفضل وأنا في السجن بنفس الحماس الذي كنت أشاهده به في المعتاد.

إلا أن هذه المباراة أتاحت لي ساعة معقولة من الوقت كي يمكنني أن أحاول النوم فيها.

أن يتصادف بث مباراة في دوري أبطال أوروبا مع ليلتي الأولى في السجن كانت إما مجرد مصادفة، أو أنها علامة أخرى على العناية الإلهية بى».

لا تبدو حياة «السجن» بالنسبة للرئيس الفرنسي السابق بالسوء الذي تبدو به بالنسبة لكثيرين.

لكنه بالطبع لا يكف عن الشكوى من أن النوافذ في زنزانته كانت خالية من أى حاجز يحجب الضوء بحيث كان يضطر للاستيقاظ مع أول ضوء للشمس وينام مع مغيبها.

كان لديه تليفون خاص في الزنزانة يمكنه أن يتصل منه بأسرته أو بالأرقام التي يحددها لإدارة السجن، لكنه كان متضايقاً من أن التليفون مثبت في الجدار، بحيث يضطر لإجراء مكالماته كلها واقفاً دون أن يمكنه الجلوس!

كان نظام يومه في السجن يتيح له ساعة يومياً في الصباح مع فريق المحامين الخاص به، وخمسين دقيقة في المساء مع أفراد أسرته أو مقابلاته الشخصية ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع.

لكن هذا النظام لم يعجبه لأنه اضطر لمنح الأولوية في هذه الزيارات لزوجته وأبنائه الخمسة، وأن يعتذر لعدد لا يحصى من الأصدقاء أو الزملاء الذين كانوا يريدون زيارته وإظهار المساندة والدعم له!

شعرت أنني أتقدم عشر سنوات في العمر في كل يوم يمر علىّ.

وطاقم السجن كان يخاطبني دوماً باحترام بلقب «سيادة الرئيس».

إنه ما زال يتعامل، حتى وهو متهم وداخل السجن على أنه رئيس جمهورية.

ينتظر معاملة خاصة ويتلقى وفود الزائرين.

لكن الواقع أن هذا الإحساس على ما يبدو كان يدارى مشاعره الحقيقية التي لا يمكن أن يهرب أحد منها لو تعرضت حريته للتقييد، سواء كان رئيساً أو من معتادى الإجرام.

يقول «ساركوزي» عن تلك الأيام الأولى في السجن: «كان لدىّ إحساس أننى أتقدم عشر سنوات في العمر في كل يوم يمر علىّ.

في كل مرة كان أحد الزوار يغادرني كنت أشعر حتى من الناحية الجسدية، بذلك الفارق الذي أصبح موجوداً بيني وبين الآخرين.

هم كان بإمكانهم مغادرة السجن والرحيل بإرادتهم.

أما أنا فلا.

انتهى بى الأمر إلى أن أعتاد ذلك، لكننى ظللت أشعر في كل مرة، بنوع من الصدمة التي حاولت إخفاءها بكل ما أملك من قوة».

مرت الأيام بشكل رتيب على هذا النحو على الرئيس الفرنسي الأسبق وهو داخل السجن، حتى جاء اليوم الذي عرف فيه أن هناك محاولة لاغتياله!

يحكى «ساركوزي» عن ذلك قائلاً: «أبلغونى أننى تلقيت تهديداً بالقتل من ثلاثة سجناء آخرين معى منذ الليلة الأولى لسجنى.

كان هناك فيديو تم بثه مباشرة من داخل زنزانة هؤلاء السجناء أنفسهم يطالبون فيه صراحةً «بالثأر للقذافى» دون تأخير («ساركوزي» كان من أشد العوامل حسماً في تدخل حلف شمال الأطلسى «الناتو» لضرب نظام وإسقاط الرئيس الليبى الراحل، ثم دخل السجن بسبب اتهامات بتلقى رشاوى لتمويل حملته الرئاسية منه).

ولم يغمض لرجال الشرطة جفن في هذه الليلة، وتم تحديد هوية السجناء الثلاثة في أقل من أربع وعشرين ساعة.

كان المتهم الرئيسى بينهم شاب لا يتجاوز السابعة والعشرين من العمر يقضى عقوبة بالسجن لثلاثة عشر عاماً بتهمة الابتزاز والاعتداء بالضرب على أحد الأشخاص بسبب ميوله الجنسية، ولم يكن شركاؤه بأقل منه خطورة.

وبدأت أتساءل فعلياً عن المكان الذي وجدت نفسى فيه وكيف يمكننى أن أفيق من هذا الكابوس.

صحيح أننى كنت أشعر بامتنان لهذا التحرك السريع الذي أدى للقبض على المتهمين، لكنى في نفس الوقت لم أفهم كيف يمكن استخدام كل هذه الهواتف المحمولة داخل سجن على هذه الدرجة من التأمين.

كان هناك ما لا يقل عن تسعمائة سجين داخل المنشأة التي يوجد فيها «المعتدون» الذين أرادوا الهجوم علىّ، وكنت بلا شك واحداً من القلائل الذين لا يملكون أبسط تليفون محمول أو جهاز كمبيوتر، بالتالى لم أكن أشكل خطراً على أحد بالإضافة إلى أننى، حتماً، أحترم قواعد السجن بشدة.

جاء مدير السجن ليشرح لى الموقف.

بدا لى شعوره بالحرج، وشعرت أنه سوف يكون سعيداً لرحيلى في أقرب وقت ممكن.

وأنا كذلك.

لا بد أن هذا المسكين كان يتساءل عما إذا كانت باقى الليالى سوف تكون مشابهة لتلك الليلة التي مررنا بها».

مسألة «أمن الرئيس الأسبق» داخل السجن كانت قضية «صدع» بها «ساركوزي» رأس القراء منذ الصفحات الأولى لمذكراته.

منذ اللحظة التي ظل فيها يتحدث عن قلق الرئيس الحالى «إيمانويل ماكرون» على سلامته وأمنه الشخصى، والتفكير في نقله إلى سجن آخر أقل خطراً، في الوقت الذي تمسك فيه «ساركوزي» نفسه، بكل شجاعة كما يظهر نفسه، بقضاء عقوبته في السجن المحدد له احتراماً للقانون والقضاء.

إلا أنه وهو يحكى عن قصة تهديده بالقتل داخل السجن، وعلى طريقة «أمير الانتقام» حتى قبل خروجه منه، لا يفوّت الفرصة لتصفية حساباته مع كل نواب البرلمان الفرنسى، وكل الصحفيين وأصحاب الرأى والأحزاب السياسية الذين ملأوا الدنيا صراخاً وضجيجاً قبل سجنه يحذرون من أن يتلقى الرئيس الأسبق أى «معاملة خاصة» داخل السجن فقط بسبب منصبه وشهرته، ويصرون على تقديم «ضمانات» تثبت معاملته كسجين عادى ينفذ حكماً قضائياً، مثله مثل غيره، في إصرار يبدو غير منطقى أو كما وصفه «ساركوزي» نفسه «كاريكاتيرياً» ومضحكاً من أجل الحفاظ على العدالة والمساواة الفرنسية كما يرونها.

الواقع أن أى رئيس جمهورية، حتى لو كان رئيساً سابقاً، تظل له هيبة أو هالة ما تحيط به ولو داخل السجن.

كان هذا واضحاً مثلاً في الطريقة التي كان يتعامل بها مثلاً موظفو السجن، بمن فيهم الطاقم المسئول عن حراسة «ساركوزي» نفسه في زنزانته.

يحكى عنهم الرئيس الأسبق في مذكراته قائلاً: «شعرت بتأثر بشكل خاص من رقة ولطف واحترام موظفى السجن طيلة مدة حبسى داخله.

كل واحد فيهم كان يوجه لى الكلام وهو يخاطبنى بلقب «سيادة الرئيس».

كانوا دائماً ما يطرقون الباب للاستئذان قبل الدخول إلى زنزانتى.

وكانوا يحاولون إيجاد فرص لتبادل الحديث أو التواصل معى.

كثيرون منهم كانوا شباباً يافعين، إلا أن هدوءهم وسيطرتهم جلبت نوعاً من السلام داخل ذلك الفضاء المغلق الذي يملك العنف فيه الكلمة العليا عادة.

لم أرهم أبداً يفقدون أعصابهم، ولا حتى أمام المحتجزين الأكثر عصبية».

لكن أحداً لم يؤثر في الرئيس الفرنسى الأسبق طيلة فترة وجوده في السجن، مثلما أثر فيه رجل الدين الكاثوليكى الذي التقى به ذات صباح يوم أحد بين ممرات الزنازين.

إنها قصة لقاء عجيب إلى حد ما، يبدو فيها لمن يقرأ «يوميات سجين» وكأن «ساركوزي» يحيا في الواقع إعادة تمثيل لواحدة من المحطات الرئيسية في رواية «أمير الانتقام» أو «الكونت دى مونت كريستو»، عندما التقى بطل الرواية في غيابات السجن وأشد لحظاته ظلمةً ويأساً بالرجل الذي غير مجرى حياته وتفكيره ومنحه ثروة روحية ومادية لا تقدر بثمن، بعد أن أعاد إليه الأمل في العودة للحياة من جديد.

هذا الرجل الذي حمل في الرواية الفرنسية اسم الراهب أو الأب «فاريا»، واشتهر في النسخة المصرية المعروفة باسم الشيخ «جلال»، كان في حالة «ساركوزي» رجل دين كاثوليكياً يتولى مهمة إرشاد السجناء في قلب سجن «لا سانتيه»، لا يتجاوز الخمسين من العمر.

يصف «ساركوزي» لقاءه مع هذا الرجل قائلاً: «كنت أخشى أول يوم أحد يمر علىّ في السجن.

كان يوما خالياً من كل الزيارات، لا لقاءات مع المحامين ولا حتى مع العائلة.

حالة من الوحدة التامة الكاملة.

لكننى، في التاسعة والنصف من صباح هذا اليوم، وجدت هذا الرجل الذي يعمل في خدمة الرب داخل أروقة السجن.

وعلى الرغم من أنه لا يتجاوز الخمسين من العمر، إلا أن هيئته كانت تبدو أكثر شباباً.

كان يرتدى بنطلون «جينز» وياقة قسيس تشير بوضوح لانتمائه إلى الكنيسة، ولحيته مقلمة بعناية.

وتكوّن لدىّ انطباع بأنه رجل خجول ومتحفظ، يتمتع بلطف بالغ يبدو واضحاً في ابتسامته العريضة وصوته الهادئ.

ودار الحديث بينى وبينه بحرية ويسر وبلا تكلف، بدون أدنى رسميات.

وكان هو يتوقف عن الحديث عدة مرات كى يزن كل واحدة من كلماته أحياناً».

هو إذن رجل دين، كما يبدو من كلام «ساركوزي»، يميل إلى الرفق والموعظة الحسنة في حديثه مع رجل اشتهر بحدته في اختيار الكلمات والجرأة والعناد في مواجهة خصومه.

رجل لا يحاول فرض معتقد أو رأى، ولا إكراه لمن يتحاور معه.

والواقع أن الطريقة التي تعامل بها هذا الرجل مع «ساركوزي» كان لها أثر بالغ في أن يلين قلبه لمزيد من المناقشة.

يحكى «ساركوزي» عن ذلك الحوار قائلاً: «تحدثنا عن الدين، وعن بابا «الفاتيكان»، وعن الكنائس الموجودة في الريف، كان الكلام يدور في البداية دون أى نزعة شخصية أو خاصة أكثر من اللازم.

وكنت أشعر بالامتنان لهذا التحفظ الذي أظهره ذلك الرجل.

لم أكن أود أبداً أن يحاول التدخل أو فرض نفسه علىّ بينما نحن لا نعرف بعضنا البعض جيداً.

الواقع أنه لا بد أن أعترف أن الأمر قد انتهى بى وأنا الذي أحرك النقاش بيننا نحو أمور ذات طابع شخصى أكثر.

سألته عن الأسباب التي جعلته يمارس مهمته في مثل هذا المكان.

وأخبرنى أنه كان طيلة عمره رجلاً يقف في صف المهمشين.

وقال لى إن الشر موجود، وإنه حاضر بقوة داخل السجن، لكن الخير والطيبة موجودان أيضاً، حتى داخل النفوس الأشد إظلاماً.

وأنه في كل مرة يصادف فيها ذلك الخير، فإنه يشعر أنه قد وجد أمامه سر الرب.

وبدا لى الأمر مثيراً للاهتمام: أن ترى في الطيبة والخير دليلاً على وجود الرب».

ويتابع «ساركوزي»: «كانت شخصيته جذابة ومبتكرة ومثيرة للاهتمام.

وظلننا نتبادل الحديث لساعة ونصف تقريباً.

جعلتنا هذه المناقشة الحرة أكثر تقارباً.

وبدأت أشعر حتى باستلطاف حقيقى لهذا الرجل الذي تشع الطيبة من كل جملة يقولها.

وانتهى بى الأمر وأنا أسأله عما إذا كان يقيم القداس في كنيسة السجن، وعرفت في تلك اللحظة أنه لا توجد كنيسة داخل سجن «لاسانتيه» وأنه يستخدم صالة الألعاب الرياضية (الجيم) ككاتدرائية في تلك المناسبة.

وقال لى أيضاً إنه ليس كل من يحضرون القداس (وهم لا يزيد عددهم على الخمسين) يفعلون ذلك لأسباب دينية بحتة، وإن بعضهم يستغل الفرصة لمجرد الخروج أو إجراء مقابلات أو حتى تبادل المخدرات، وأحياناً نادرة فقط للصلاة.

لكن هذا بالنسبة له لا يهم، لأنه في كل مرة وبالنسبة لكل واحد منهم من الممكن أن تكون هذه فرصة للقاء الرب.

ثم قال لى صراحةً إنه لا يرى أن حضورى للقداس يمكن أن يكون فكرة جيدة، وقلت له إنه في كل الحالات فإن سلطات السجن لن تتركنى أبداً أوجد وسط عشرات السجناء لأسباب أمنية.

واعترفت له أنه لو كان الأمر ممكناً في ظروف أخرى، لوددت حضور قداس له.

هنا قال لى بنوع من الحياء إنه لو كنت أرغب في ذلك، ولكنه لا يريد فرض ذلك علىّ بأى شكل، يمكننى تلقى المناولة (سر القربان المقدس الذي يشير لجسد ودم المسيح).

فكرت لوهلة، متفاجئاً إلى حد ما بدعوته، وانتهيت إلى أن أقول: ولمَ لا؟ ».

لم يكن «ساركوزي» قد تلقى المناولة لسنوات عديدة، كما يعترف في مذكراته.

تلك السنوات التي مرت عليه دون أن يحضر قداساً في كنيسة وهو منشغل في دهاليز وكواليس السلطة والخصوم وحسابات الربح والخسارة.

ثم وجد نفسه أمام ذلك الكاهن ذى الشخصية «المبتكرة» كما يصفها، والذي أخرج من جيبه، بمجرد قبول «ساركوزي» لدعوته، قطعتين ملفوفتين بعناية كان قد جهزهما مسبقاً لتقديم المناولة للرئيس الفرنسى الأسبق الذي يصف هذه اللحظة قائلاً: «كان الموقف غريباً على أقل تقدير.

وجدت نفسى في هذه الصالة الصغيرة والتعيسة ومعى كاهن لم أكن أعرفه منذ ساعة مضت، وتحت أنظار الرقابة المشددة لحراس السجن كنت أستعد لتلقى مناولتى الأولى منذ عدة سنوات.

شعرت بسعادة وبكثير من المشاعر.

بدأنا بصلاة «أبانا الذي في السماوات» و«السلام عليك يا مريم» ثم ساد الصمت لفترة طويلة.

كان هذا الصمت مريحاً خاصة وسط ذلك الجو المشحون بالعنف».

دخل «ساركوزي» بعدها في حالة من السكينة التي جعلته يمضى وحدته في السجن بمزيد من الهدوء.

إلا أنه في مذكراته، يعرف جيداً ما الذي يمكن أن يثيره مثل هذا الاعتراف لدى من لا تحركهم المشاعر الدينية لرئيس سابق، ولا يتأثرون بشعوره الإنسانى بالاحتياج لقوة عليا حتى في أشد لحظاته ضعفاً.

فيعود ليقول بعدها: «من الممكن أن يسخر البعض من هذا التحول المفاجئ لاعتناق الإيمان.

وبلا شك سوف يفسرونه على أنه علامة على الضعف على أحسن تقدير.

لكن هذا لا يعنينى ما دامت هذه هى المشاعر التي أحسست بها بعمق.

وأضيف أنه على كل إنسان، قبل أن يصدر أحكامه علىّ، أن يأخذ وقته في التفكير في معنى الحبس، وما يفرضه من مواجهة الإنسان لنفسه، وفى فسحة العقل التي يتيحها والتي تجعل المرء يلمح مشاعر كانت موجودة في داخله من جديد».

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك