منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن لا تسوية مع إيران إلا عبر الاستسلام غير المشروط، كان واضحاً أن البيت الأبيض يتجه نحو معركة سياسية داخلية لا تقل حدة عن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
فمع اتساع العمليات العسكرية ودخولها أسبوعها الثاني، بدأت ارتداداتها تصيب الحلقة الأضعف في المشهد الأميركي، والمتمثلة في انتخابات التجديد النصفي التي يسعى الجمهوريون من خلالها لحماية أغلبيتهم في الكونغرس.
فور ارتفاع أسعار النفط واضطراب أسواق الأسهم والسندات عالمياً، ظهرت أولى شقوق تحالف" MAGA" الذي حمل ترامب إلى البيت الأبيض، شخصيات لطالما كانت من أقرب المروجين لنهجه – من تاكر كارلسون إلى ميغن كيلي ومارجوري تايلور غرين – هاجمت بشدة دخول الولايات المتحدة في حرب قد تجر الاقتصاد إلى ركود.
وحتى أن كيلي قالتها بصراحة على الهواء: " لا أحد يجب أن يموت من أجل دولة أجنبية.
"، وفقاً لما نقلته" بلومبرغ"، واطلعت عليه" العربية Business".
لم يعد الانقسام مجرد مواقف إعلامية، فداخل الكونغرس نفسه، دفع الجمهوري توماس ماسي نحو تصويت يحد من قدرة ترامب على توجيه ضربات جديدة دون موافقة تشريعية، ورغم سقوط المقترح، إلا أنه كشف انقساماً غير مسبوق داخل الحزب.
ولخص ماسي المزاج قائلاً: " MAGA منقسمة الآن.
نصفها معي ونصفها مع الرئيس".
يعني مصطلح MAGA، جعل أميركا عظيمة مجدداً.
صداع انتخابي قبل التجديد النصفي.
هذا الانقسام يأتي في لحظة خطيرة، فالجمهوريون يحتاجون بشدة إلى الحفاظ على سيطرتهم على الكونغرس لتأمين أجندة ترامب الاقتصادية والتجارية، لكن داخل البيت الأبيض، يدرك المستشارون، وفق مصادر" بلومبرغ"، أن الحرب قد تشكل خسارة انتخابية محققة، وأن السيطرة على مجلس النواب تحديداً أصبحت مهددة.
أظهرت استطلاعات الرأي الأولية إشارات متباينة حول طبيعة هذا الانقسام داخل الحزب، ففي استطلاع أجرته شبكة" CNN" بين 28 فبراير و1 مارس، أيد 77% من الجمهوريين العمل العسكري في إيران، ومع ذلك، أظهر استطلاع أجرته" رويترز" خلال الفترة نفسها حماساً أقل بكثير، حيث أيد 55% فقط من الجمهوريين الهجمات، أما بين البالغين الأميركيين عموماً، فقد أظهر كلا الاستطلاعين رفضاً واسعاً للحرب.
كثف البيت الأبيض جهوده منذ الأسبوع الماضي لتبرير الضربات، حيث ظهر نائب الرئيس جيه دي فانس على قناة" فوكس نيوز"، وعقد وزير الدفاع بيت هيغسيث مؤتمرات صحفية، وتحدث وزير الخارجية ماركو روبيو من مبنى الكابيتول.
كانت الجهود متفرقة، إذ قدم كبار المساعدين – والرئيس نفسه – مبررات متباينة بشدة للهجمات.
أثار روبيو غضب بعض ناخبي حركة" لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" عندما صرح بأن الإدارة كانت على علم بأن إسرائيل ستتحرك، وأن الولايات المتحدة قررت الانضمام – وهي تصريحات أوحت بأن واشنطن كانت تتصرف بناءً على طلب إسرائيل، وتراجع روبيو لاحقاً عن تصريحاته.
اقتصاد متوتر وأسعار وقود تشعل الغضب.
رغم أن فريق ترامب يحاول تصوير العمليات على أنها" فرصة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط"، فإن الناخب الأميركي يتفاعل مع مؤشر واحد فقط: فاتورة الوقود.
وارتفع متوسط سعر غالون البنزين إلى 3.
32 دولار بعد أن كان 2.
98 دولار قبل بدء الضربات.
كما لا تزال معدلات ملكية المنازل منخفضة رغم تراجع أسعار الفائدة، ويعاني المواطن الأميركي من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، وكشف آخر تقرير وظائف تراجعاً غير متوقع في عدة قطاعات.
ومع اتساع رقعة الحرب وتزايد احتمالات تعطل صادرات النفط من المنطقة، يخشى محللون أن يتحول الملف الإيراني إلى عامل اقتصادي ضاغط يتجاوز قدرة حملة ترامب على احتوائه.
اكتسب ترامب زخماً لأول مرة في الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الجمهوري عام 2016 كناقد لاذع لسياسة بوش الخارجية المحافظة الجديدة، حيث وصف ترامب قرار بوش شن حرب العراق عام 2003، خلال تلك الحملة، بأنه" خطأ فادح" و" ربما كان أسوأ قرار" في تاريخ الرئاسة.
وبحلول موعد ترشحه لإعادة انتخابه عام 2024، تحول انتقاد ترامب للمغامرات الأميركية إلى محور رئيسي في حملته الانتخابية، واستغل ترامب الانسحاب الفاشل للرئيس جو بايدن من أفغانستان عام 2021 لتعزيز تراجعه السياسي.
خلال الحملة الانتخابية، ترشح ترامب وفانس كمرشحين داعمين للسلام، متعهدين بتجنب التورط في نزاعات خارجية معقدة، وإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية" من اليوم الأول"، وتفكيك شبكة التحالفات والالتزامات التي كانت السياسة الخارجية الأميركية في فترة ما بعد الحرب تعتبرها مقدسة.
لاقت هذه الرسالة استحسان العديد من الناخبين، بمن فيهم من لم يكونوا من مؤيدي الجمهوريين تقليدياً، فعلى سبيل المثال، استقطب ترامب شريحة متزايدة من الناخبين الذكور دون سن الثلاثين، مما قلص من تفوق الديمقراطيين في هذه الفئة.
يعزى جزء من هذا التحول إلى الإحباطات الاقتصادية، ولكنه كان مدفوعاً أيضاً بتغيرات في كيفية استهلاك الشباب" وخاصة الرجال" للإعلام، وأصبح ترامب مفضلاً لدى مقدمي البودكاست المؤثرين، بمن فيهم جو روغان وتشارلي كيرك، الذين انجذبوا إلى موقفه الانعزالي وحذروا مستمعيهم من خطر العدوان العسكري الأميركي في الخارج.
مع ذلك، قد يكون هذا الانقسام قصير الأمد: ففي الماضي، أجبر ترامب حلفاءه الجمهوريين على التوافق معه في قضايا أخرى غير شعبية سياسياً، مثل الرسوم الجمركية، وفي نهاية المطاف أقنع الناخبين بتبني بعض آرائه المثيرة للجدل.
وقد بدأت بعض الأصوات المؤثرة بالفعل في دعمه، تقول لورا لومر، المؤثرة المحافظة، التي صرحت بأنها تحدثت مع الرئيس في اليوم الأول من العملية لتهنئته على مقتل خامنئي، إن سلسلة العمليات العسكرية الخارجية الأخيرة التي شنها ترامب تستحق الاحتفاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك