في ليلة من ليالي رمضان، حيث يتراقص النور مع الظلال في سماء آسفي الهادئة، انطفأ سراج كان يضيء دروب العلم القرآني لدهر واحد.
ففي مساء الأحد 18 رمضان 1447، الموافق 8 مارس 2026، توفي العلامة عبد الهادي حميتو، ذلك العالم الذي كان بحرًا من علم القرآن والقراءات، عن سن يناهز 83 عاما، بعد وعكة صحية ألمت به فأدخلته إحدى مصحات عاصمة قبائل عبدة.
وكأن القرآن الكريم، الذي أحياه طول حياته، دعاه إلى رفقته العليا ليتلُو فيها بصوته المرتل المجَوَّد.
ولد الشيخ عبد الهادي بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله حميتو في 1943، في حضن قبيلة الشياظمة بالصويرة.
هناك، في مسقط رأسه، انبثق نبع العلم: قرأ القرآن الكريم وحفظ متنه في الرسم والضبط والتجويد، ثم انتظم في التعليم الأصيل العتيق، متدرجًا في متنى الآجرُومِيَّةِ والألفِيَّةِ والجُمْلِ لابن المجراد، ولامِيَّةِ الأفعال لابن مالك، ومنظومة ابن عاصم في الفقه المالكي.
كانت بداية رحلة تعبر الجبال والوديان، فالتحق بكلية الآداب بفاس يدرس الأدب العربي على أعلامها، والنقد على الدكتور أمجد الطرابلسي الدمشقي.
ثم مراكش تستقبله في كلية اللغة العربية، حيث أخذ الإجازة على يدى أعلام كالدكتور الفاروق الرحالي في التفسير، ومحمد نجيب البهبيتي في الأدب، وعبد السلام جبران في البلاغة، وقبلهم الشيخان أحمد أملاح والحسين راغب المسفيويَّان.
في مدرسة ابن يوسف بمراكش ودار الحديث الحسنية، توسع أفقه كالبحر المتلاطم: حصل على شهادتين في الحديث وعلوم القرآن، ودبلوم الدراسات العليا 1979 ببحث يفتح أبواب القراءات: «اختلاف القراءات وأثرها في استنباط الأحكام»، ثم دكتوراه الدولة 1995 بدراسة تغوص في قراءة الإمام نافع عند المغاربة من القرن الرابع إلى العاشر.
أساتذة الأجيال كان، يُدَرِّسُ في المراكز التربوية والجامعات المغربية ومعاهد محمد السادس للقراءات، والمعاهد العتيقة، ويشرف على مسابقات قرآنية دولية.
تميز بإنشاءاته العلمية المتنوِّعَةِ، منها مؤلَّفان آخِرَاهُما عن أبي عمرو الداني: «معجم شيوخه» و«معجم مؤلفاته»، يصححان أخطاء الباحثين ويضيفان إلى تاريخ القراءات.
ومن أبرز مؤلفاته المطبوعة: «كشف القناع عن تواتر الطرق العشر النافعية»، «زعيم المدرسة الأثرية الإمام الشاطبي»، و«إسهام مالكية المغرب في القراءات».
أَمَّنَتْ إليه مناصب العِزِّ والمكانة: عضو في المجلس الأكاديمي ومكتب الرابطة المحمدية للعلماء، رئيس لجنة مراجعة المصحف المغربي 2010، عضو في هيئة محمد السادس لنشر المصحف، وفي الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن بجدة، وحصل على جائزة أهل القرآن 2008 من يد الملك محمد السادس.
وفي نعيه المؤثر، تقدم أحمد عبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء أصالة ونيابة عن أعضائها، بأخلص التعازي إلى أسرة العلامة وطلَبَتِهِ ومحبِّيهِ، سائلين الله أن يرحمه ويسكنه فسيح جناته، ويلهم أهله جميل الصبر.
وسيوارى جثمان الراحل بآسفي ظهر يوم الإثنين 9 مارس 2026، بعد صلاة الجنازة في مسجد السنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك