شاء لى القدر زيارة بعض الأماكن التى قيل إنها كانت مقراً لعمل الفريق البطل عبدالمنعم رياض وقت أن كان رئيساً لهيئة الأركان العربية المشتركة بعد حرب ٦٧.
شعور غريب عجيب مُدهش، لكنه فى نهاية الأمر إحساس بالفخر والامتنان للرجل، ولتلك الفترة من تاريخنا وملحمة إعادة بناء الجيش العظيم، مع الصمود الأسطورى فى حرب الاستنزاف.
ودور الشهيد البطل فى كل ذلك.
بل ودوره فى فلسفة تحرير الأرض، حيث تشير المصادر التاريخية إليه كونه صاحب مبدأ «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة»، الذى تبنّته مصر كلها فى ما بعد، وظل الخطاب السياسى المصرى على لسان الزعيم جمال عبدالناصر يعتمد عليه، حيث طلب منه رياض رفض أى مبادرة تعيد الأرض بغير قتال، مُستنداً إلى فكرة رد الاعتبار للمقاتل المصرى، وهو ما لن ولم يتحقّق إلا باسترداد الأرض المحتلة بالحرب، وهو ما تحقّق فعلاً عبر الاستنزاف وأكتوبر العظيم!
نقول: ليست فقط ثقافة البطل الشهيد هى ما تلفت النظر ولا بعد نظره وحكمته ولا حتى -فقط- قدراته الفذّة فى التدريب وإعادة بناء القوات المسلحة على أسس علمية حديثة.
ولا كل التكريمات والجوائز والأنواط والدروع والنجمات والميداليات من مصر وخارجها ومن حرب ٤٨ وحتى رحيله المجيد.
ولا حتى شجاعته وإصراره أن يضرب المثل بنفسه ليكون القائد فى المقدّمة وليس خلف قواته، لا فى الغرف المحصّنة.
لا يدهشنا كل ذلك رغم عظمته، إنما يدهشنا أيضاً وفوق ذلك كله تلك الرغبة الجارفة فى طلب العلم.
والسعى إليه حتى إلى مساحات لا تلزمه الظروف ولا مكانته بها.
حتى تتكاثر الأسئلة عنها وحولها، فمثلاً.
ما الذى يجعل ضابطاً كبيراً برتبة لواء، ثم برتبة فريق يذهب إلى جامعة القاهرة فى كل الظروف التى تمر بها بلاده، لينتسب بالدراسة فى كلية العلوم؟ ! وما الذى يدفع ضابطاً كبيراً يحمل كل هذه المهام والتكليفات والأعباء ليذهب إلى جامعة القاهرة لينتسب ليدرس بكلية التجارة؟ ! الانتساب الأول لدراسة الرياضة البحتة، والانتساب الثانى لدراسة الاقتصاد! ! فى كليهما رأى ارتباطهما بالحرب والقتال والسياسة.
وفى كليهما رأى صورة العسكرى المصرى المثقف العارف بالعلوم الحديثة المطلع عليها!
وقبل ذلك كله ومعه يتحدّث القائد الأسطورى عدّة لغات.
فبخلاف الإنجليزية والفرنسية يتحدّث الألمانية والروسية! !
كنا -إذن- أمام نوع جديد من القيادات العسكرية المصرية.
أسست منذئذ لما نحن عليه اليوم.
الضابط المثقف الدارس لعدة علوم والمتخرّج من المعاهد العسكرية العليا المتخصّصة!
كان لا بد أن ينجح هذا النوع من القيادات فى كل شىء.
إعادة البناء والتخطيط والانتصار.
وترك رصيد هائل ننهل ونستفيد منه.
وترك ذكرى خالدة نحتفل بها دائماً!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك