بدايةً، وقبل الدخول في لب الحرب الدائرة حالياً بين إسرائيل وأمريكا وإيران، لا بد من التأكيد على عدة ثوابت لإزالة أي لبس، متعمد أو غير متعمد، عند البعض:
- مصر من أول الدول التي تضررت من إيران بعد قيام الثورة الإسلامية، وكانت الجماعات الإسلامية وراء اغتيال الزعيم الشهيد بطل الحرب والسلام أنور السادات، وبادرت إيران وقتها بإطلاق اسم (الإسلامبولي) قاتل السادات على أحد شوارعها الرئيسية.
ومنذ ذلك الحين والشعب المصرى له موقف من نظام آية الله خامنئي الذي اغتالته إسرائيل وأمريكا بخسة كما فعل قتلة السادات رحمه الله، ولكنها تبقى في النهاية دولة إسلامية أقرب لنا من إسرائيل العدو.
- العلاقات بين مصر ودول الخليج أخوية وتاريخية ومصيرية، ومصر تعتبر أمن الخليج من أمنها، وكذلك يعتبر الأشقاء في الخليج أمن مصر من أمنها.
- سياسة مصر واضحة ومعلنة في حل الأزمات والخلافات، وهي استخدام كل الأدوات الدبلوماسية والتفاوضية والالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، وتجنب اللجوء إلى الخيار العسكرى، ولعل سياستها والإجراءات التي انتهجتها في خلافها مع إثيوبيا حول أزمة السد التي تُعتبر «قضية حياة» خير دليل على ذلك.
ومن منطلق هذه الثوابت فإن ما فعلته أمريكا وإسرائيل في إيران هو اعتداء على دولة ذات سيادة، وإن رد الفعل الغشيم من إيران على دول الخليج وجيرانها يُعد اعتداء أيضاً على دول ذات سيادة، وبخاصة أن دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، أعلنت قبل اندلاع الحرب أنها لن تسمح باستخدام القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها في الهجوم على إيران.
أما ضرب إيران لإسرائيل فهو رد فعل طبيعى على دولة معتدية، وبخاصة إذا كانت هذه الدولة المعتدية قد استهدفت في ضرباتها مدرسة ابتدائية وخلفت وراءها عشرات القتلى من الأطفال.
ولا يوجد أى مبرر مقنع لشن هذه الحرب على دولة ذات سيادة، ولا يمكن أن يوافق أحد على أن يتم تغيير أنظمة الدول بالحرب، وأن تكون دولة -حتى لو كانت عظمى- وصية على دولة أخرى وتقرر أن هذا الرئيس يصلح أو لا يصلح، وهذا النظام يليق أو لا يليق، وإلا أصبحت القوة هى التي تتحكم في العلاقات الدولية وهى التي تقرر مصائر الدول، في حين أن الشعوب هى في الأساس صاحبة القرار الأول والأخير في تقرير مصائرها ومصائر دولها.
المشهد الآن أشبه بالمسرحيات العبثية، وكل طرف يطلق أخباراً وأنباء عن الخسائر والانتصارات والقدرة على مواصلة الحرب، ولكن الذي يوجد على الأرض أن دولاً عربية تتضرر من ضربات عسكرية، ونحن نرفض ذلك، تماماً مثلما رفضنا الضربة الإسرائيلية لدولة قطر عندما استهدفت عناصر من «حماس»، وقد تكبَّدت هذه الدول الشقيقة خسائر مادية وعسكرية، كما تم إغلاق مضيق هرمز الذي يمر من خلاله النسبة الأكبر من بترول دول الخليج للعالم، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع سعر برميل البترول ليصل إلى 111 دولارا في طفرة لم تشهدها الأسواق منذ عام ٢٠٢٢، وهذا السعر مرشح للزيادة خلال الفترة القادمة طالما استمرت الحرب، وظل المضيق مغلقاً، إلا إذا تم استخدام خط أنابيب سوميد الذي تملكه مصر ويمر عبر أراضيها ليربط البحر الأحمر من ميناء العين السخنة بالبحر المتوسط حيث ميناء سيدى كرير، وهذا الخط سيعوض جزءاً من خيار توقف عبور ناقلات البترول من دول الخليج عبر مضيق هرمز لتصل إلى أوروبا، وتكون مصر قد ساهمت في حل نسبى للازمة العالمية للبترول وساهمت في الحد من الارتفاع الجنونى لأسعاره، وظنى أن زيارة المهندس مصطفى مدبولى، رئيس الوزراء، لـ«سوميد» منذ يومين كانت تصب في هذا الاتجاه، وقد يعوض استخدام هذا الخط جزءاً من الخسائر التي تتكبدها مصر جراء انخفاض حركة العبور في قناة السويس بسبب الحرب.
ويبقى الأهم من الخسائر الاقتصادية، التي يمكن تعويضها مستقبلاً، الخسائر السياسية المترتبة على هذه الحرب، والمتمثلة في الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة والتي ستصبح أمراً واقعاً، إذا ما تصاعدت الحرب أكثر.
ضبط النفس الذي تتمتع به دول الخليج والسياسة الحكيمة لقادتها، وعدم التورط في الحرب وتوقف إيران عن الاعتداء على جيرانها، هما اللذان سيوقفان المخطط الأمريكى- الإسرائيلى للهيمنة على المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك