تواجه صناعة الطيران المدني منذ بدء الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى واحدة من أخطر أزماتها بعد أن أدى التصعيد العسكري إلى ارتباك فى حركة الطيران بمنطقة الشرق الأوسط، التي تعد في القلب من شبكة الملاحة الجوية العالمية ونقطة الربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، حيث أصيبت المنطقة بحالة" تصلب في الشرايين الجوية، " نتيجة إغلاق جزئي أو كلى لعدد من المجالات الجوية والمطارات الرئيسية وإلغاء وتحويل آلاف الرحلات وتكدس المسافرين بالمطارات مما سبب ارتباكاً كبيراً في جداول تشغيل شركات الطيران وتعديل مسار رحلاتها بصورة يومية لتجنب الأجواء المشتعلة بالمنطقة.
وبينما يظل المشهد حتى الآن هشاً ومتقلباً تواجه شركات الطيران وخاصة الخليجية ظروفاً تشغيلية صعبة حيث اضطرت بعض الشركات الخليجية إلى نقل عدد من طائراتها إلى مطارات أخرى لتجنب تعرضها لمخاطر وتعديل جداول التشغيل والأطقم الجوية.
واضطرت شركات أخرى بالمنطقة إلى نقل مركز عملياتها التشغيلية بالكامل إلى مطارات بدول مجاورة في ظل اضطراب الأجواء.
كما تسببت الأزمة فى ارتفاع قياسي فى أسعار وقود الطائرات التى تمثل وحدها أكثر من 30 % من مصروفات التشغيل للشركات لتزيد من أوجاع القطاع.
وكشفت فى ذات الوقت عن الحاجة الملحّة لتأمين إمدادات وقود الطائرات للشركات عبر سياسات" التحوط" ويقصد بها شراء الوقود بعقود آجلة بسعر ثابت لمدة زمنية معينة لتفادى تقلبات الأسعار.
وكذلك تنويع مصادر الحصول على الوقود وتعزيز التنسيق بين الحكومات وشركات الطيران وتسريع إنتاج وقود الطيران المستدام.
كما جاءت الزيادة الكبيرة فى أقساط" التأمين على الطائرات" بسبب مخاطر الحرب لتضيف أعباءً مالية جديدة على القطاع وهو ما يزيد من تكاليف التشغيل للشركات لينعكس ذلك بالتأكيد على زيادة أسعار تذاكر الطيران.
تداعيات الأزمة طالت قطاع الطيران المصري رغم أن الحركة الجوية بالمطارات والمجال الجوى المصرى تسير بصورة طبيعية إذ يمثل المجال الجوي المصري ممراً استراتيجياً آمناً للرحلات العابرة بين أوروبا وآسيا وإفريقيا وسط اضطرابات الشرق الأوسط.
ولكن تم تعليق عدد من الرحلات لشركة مصر للطيران والشركات المتجهة إلى بعض دول المنطقة فى أعقاب إغلاق عدد من المجالات الجوية.
فيما بدأت الشركة الوطنية التشغيل التدريجي لعدد من رحلاتها إلى بعض مدن الخليج بالتنسيق مع سلطات الطيران المدني بهذه الدول وتنظيم رحلات للمصريين الراغبين فى العودة إلى مصر.
وللحد من تداعيات الأزمة قامت وزارة الطيران المدني برفع درجة الاستعداد القصوى بالمطارات وتفعيل خطط الطوارئ والتشغيل البديلة وتحديد مسارات جوية آمنة بما يحافظ على دور مصر الاستراتيجى في شبكة النقل الجوي الإقليمية والدولية.
ولكن استمرار الصراع سيضع قطاع الطيران المصري بالتأكيد أمام تحديات كبيرة وسيزيد من الأعباء المالية على شركات الطيران المصرية، وسيؤثر أيضاً على الشحن الجوي والصادرات المصرية التي تعتمد على الممرات الجوية الإقليمية لنقل البضائع الحيوية.
الأزمة انعكست بصورة كبيرة على جميع شركات الطيران العالمية وخاصة الشركات الأوروبية الأكثر اعتماداً على دول الخليج في توفير ما بين 25 و30٪ من احتياجاتها من وقود الطائرات وفقاً لتقديرات الاتحاد الدولى للنقل الجوى" إياتا".
كما تأثرت الشركات الآسيوية نظراً لاعتمادها الكبير على المجال الجوي للشرق الأوسط كممر رئيسي عالمى.
وفي حال استمرار الإغلاق للمجالات الجوية فى بعض الدول فإن ذلك قد يعيد رسم" خريطة الطرق الجوية" العالمية ويعيد توزيع حركة العبور بعيداً عن المنطقة!
كما تواجه مطارات الشرق الأوسط هى الأخرى تحديات كبيرة إذ توقفت الحركة تماماً في بعض المطارات أو تراجعت بشكل كبير مما يفرض على إدارات المطارات التعامل مع متغيرات سريعة في حجم الحركة الجوية ويضعها أمام تحديات اقتصادية وتشغيلية متزايدة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة.
تداعيات الأزمة امتدت إلى حركة الشحن الجوي العالمى وخاصة تلك التي تعتمد على مطارات الشرق الأوسط كمراكز عبور رئيسية للبضائع بين آسيا وأوروبا حيث تأثرت عمليات نقل الشحنات سريعة التلف ونقل قطع غيار الطائرات مما سيزيد من أزمة سلاسل الإمداد حول العالم وزيادة الضغط على صناعة الطيران.
فإغلاق الممرات الجوية أو تحويل مسار الرحلات أدى لزيادة زمنها وارتفاع التكاليف ونقص السعة المتاحة وهو ما ينعكس سلباً على أسعار الشحن وزيادة تكلفة المنتجات النهائية على المستهلكين.
السيناريوهات المستقبلية للأزمة وتداعياتها على قطاع الطيران ترتبط بعدة عوامل أهمها مدة الصراع ونطاقه الجغرافي وأسعار الطاقة.
فمع توقف التصعيد سيشهد قطاع الطيران تعافياً تدريجياً.
أما إذا استمرت الحرب لفترة طويلة أو اتسعت رقعتها فقد تدخل الصناعة مرحلة أكثر خطورة تتجاوز اضطراب الرحلات إلى تراجع حاد فى التشغيل وتوقف سلاسل التوريد العالمية وخسائر مالية ضخمة تقدر بمليارات الدولارات وارتباك فى جداول مواعيد تسليم الطائرات الجديدة لشركات الطيران وبالتالى تجميد خطط التوسع والنمو للعديد من الشركات وربما إعادة تشكيل خريطة النقل الجوي العالمية بما يهدد مكانة منطقة الشرق الأوسط في منظومة شبكة الطيران حول العالم.
وفى المحصلة إذا كانت الأزمة الراهنة كشفت" هشاشة" وحساسية صناعة الطيران أمام الأزمات والتوترات الجيوسياسية.
إلا أن الاختبارات الصعبة التي مرت بها الصناعة خلال أزمات سابقة تؤكد في المقابل مرونتها وقدرتها على التكيف والصمود واستعادة توازنها في مواجهة التحديات مهما بلغت حدتها بما يعكس دور الطيران المحوري في حركة الاقتصاد العالمى ويؤكد الترابط الوثيق بين أمن الملاحة الجوية واستقرار أسواق التجارة والسفر العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك