كاد المرض ينسيني ذكرى قامة كبيرة من قامات الدعوة الإسلامية، كنت أحد طلابه مع ثلة من زملائي في الدفعة الأولى بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، وبينما أنا أبحر في الأنترنت لأسري على نفسي ولكي أكتشف آخر ما كتب في الدعوة والفكر والفلسفة والسياسة، تذكرت أن هذا اليوم التاسع من مارس هو يوم وفاة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في بلد الله في السعودية في ندوة حول “الإسلام وتحديات العصر”، حضرها جمع من الدعاة والمفكرين من جميع أنحاء العالم وذلك على إثر وعكة أصابته وهو يتحدث بصوته الجهوري الذي يجذب إليه السامع طوعا أم كرها لما حباه الله من قوة في الإقناع وقدرة على التأثير في نفس من يستمع إليه.
كان آخر ما قاله الشيخ رحمه الله تعالى قبل أن يسلم الروح: “نريد أن نحقق لا إله إلا الله محمد رسول الله في الأرض”، ومما تناقلته الأخبار في ذلك الوقت أن شخصا من أتباع مذهب معين استفز الشيخ ووجَّه له عتابا شديدا مشوبا بقلة أدب، فانفعل الشيخ انفعالا كبيرا سقط بعدها مغشيا عليه وجاد بآخر أنفاسه وهو كان يعاني أصلا من حالة مرضية وقد نصحه الأطباء بعدم السفر ولكنه أصرَّ على الذهاب وتلبية الدعوة فكانت السعودية آخر محطة في حياته بعد أن طوى الأرض محاضرا وداعيا وإماما.
شاء الله أن تكون آخر أنفاس شيخنا محمد الغزالي في السعودية التي تضم أقدس مقدساتنا، المسجد الحرام والمسجد النبوي، وشاء الله أيضا أن يُدفن في البقيع في مدينة رسول الله وكانت تلك أمنيته التي كتبها في “فقه السيرة” وكان يكتبها في وصيته ترقبا للقاء الله تعالى في أي لحظة من اللحظات لأنه كان يؤمن بقوله تعالى: “وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير” (لقمان 34).
ومما يجب أن يذكر في هذا المقام ما أمر به الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله الذي كان وليا للعهد في ذلك الوقت بدفن الشيخ محمد الغزالي في البقيع فحمل جثمانه الطاهر إلى المدينة المنورة ودفن هناك، ويذكر الشيخ زغلول النجار رحمه الله الذي فقدته الأمة الإسلامية قبل أشهر معدودات أن جموع المعزين والوافدين لحضور الجنازة جاءت من كل مكان.
مات الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ولكن أفكاره لم تمت وستظل منهاجا نسير عليه في هذا الحياة التي أصبحت مليئة بكثير من الفتن والبدع والخلافات بين المسلمين التي لا داعي لها بل لا معنى لها وهي من تدبير أعداء هذه الأمة الذين ينفخون فيها لقطع أوصال هذه الأمة ولإشاعة الخصومات حتى يسهل عليهم الانقضاض علينا وسلبنا أغلى ما نملك بعد التوحيد وهي وحدتنا وأخوّتنا كما قال الله تعالى: “إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون” (الأنبياء 92) وكما قال تعالى: “إنما المؤمنون إخوة” (الحجرات 1 ).
إن ما تعيشه الأمة الإسلامية هذه الأيام من أحداث جسام ومن حرب ضروس في الشرق الأوسط، رئة هذه الأمة وشريانها النابض بالحياة، يحتم علينا أن نعود إلى سالف عهدنا ونتناسى خلافاتنا ونحارب جماعة المثبِّطين والمرجفين الذين يستغلون هذه الأحداث لكي يجهزوا على أمتنا ويدقوا آخر مسمار في نعشها بعد أن باءت محاولاتهم عبر التاريخ بالفشل من أيام الفتن الكبرى إلى سايكس بيكو.
ما أحوجنا في هذه الظروف العصيبة إلى فقه واع ودعوة هادئة وفكر مستنير، يجلي الجوانب المشرقة من تاريخنا الإسلامي ويصحح المسار ويعيدنا إلى الجادة.
ما أحوجنا في هذه الأيام العصيبة إلى فقه الشيخ الغزالي الذي نذر حياته لجمع كلمة المسلمين وللدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة كما قال الله تعالى: “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن” (النحل 125)، لقد غابت هذه السمات أو كادت لدى فئة كبيرة من دعاة هذا العصر الذي تسور فيه الرويبضة المحراب وتصدر المشهد الدعوي ونصب فيه كل حافظ لبضع أحاديث نفسه إماما من أئمة الحديث وعالما من علماء السنة، بل هناك من تشم من كلامه رائحة الخيانة لهذه الأمة حينما يجتهد فيما لا اجتهاد فيه وحينما يفتي بغير هدى من الله وحينما يفتري بعضهم على ابن تيمية والإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله ويحرف كلامهما عن مواضعه لكي يوافق هواه ولكي يتخذ منه مطية يركبها للتمكين لمذهبه ولمدح شيوخه وإيهام الأمة بأنهم وحدهم العلماء العاملون وبأنهم منارات الهدى ومعين العلم وأن إتِّباعهم واجب ومخالفتهم خطيئة لا تغتفر.
ما أحوج الأمة الإسلامية اليوم إلى إمام جامع كالشيخ محمد الغزالي رحمه الله، يجمع ولا يفرق، يجادل بالتي أحسن ولا يخاصم، متورع، لا يقحم نفسه ولا يقحم أتباعه ولا يقحم الأمة عموما في أتون خلافات تاريخية إثمها أكبر من نفعها، خلافات تاريخية، جعلتنا نرث ميراثا هزيلا مثقلا بالمآسي والمخازي التي أساءت إلى تاريخنا وقدمت صورة مشوهة عن ديننا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك