تُعد الدراما التلفزيونية فنًا وصناعة وتوزيعًا (تجارة)، حيث تمثل رافدًا مهمًا من روافد الاقتصاد المصري.
ولا يشعر كثيرون بالقيمة الاقتصادية الكبيرة التي تُضَخ في شريان الاقتصاد عبر هذه الصناعة، وعلى مسارات متعددة.
ويُعد هذا العام أقل إنتاجًا من سابقه نسبيًا، إذ تقل الأعمال المعروضة هذا الموسم، سواء التي لم تلحق بماراثون العرض الرمضاني أو التي عُرضت قبل الموسم الرمضاني، وكذلك الأعمال الجديدة التي عُرضت على مدار العام، عن أربعين مسلسلًا.
في حين وصلت في أحد الأعوام إلى أكثر من سبعين مسلسلًا تلفزيونيًا ومتوسط ميزانية المسلسلات التي يشارك فيها نجوم من نوعية السوبرستار والميجاستار، الذين يزيد أجر كل منهم عن ستين مليون جنيه، أمثال يحيى الفخراني، وعادل إمام، ومحمد منير، ويسرا، وغادة عبد الرازق، ومحمد رمضان.
وبحسبة بسيطة نجد أن المسلسل يتكلف في المتوسط ثمانين مليون جنيه إذا خلا من السوبرستار والميجاستارز.
وهذه الأعمال تقارب نصف العدد، أما النصف الآخر، وإن خلا من كبار النجوم، فإنه يضم نجومًا كبارًا لا يحصلون إلا على عشرة ملايين أو ضعف هذا المبلغ، ويُستعاض باثنين أو ثلاثة من النجوم الكبار معهم.
ويكفي أن محمد رمضان، عقب نجاح مسلسل (ابن حلال)، قد وقّع عقدًا بعشرين مليون جنيه، ومسلسلًا آخر بخمسة عشر مليونًا في بداية نجوميته، ولهذا أوقفته النقابة لمدة عام لتعاقده على عملين لم يستطع تنفيذهما في نفس الموسم الرمضاني.
وقد قفز أجره قفزة كبيرة، إذ وصل إلى خمسين مليون جنيه في مسلسله التلفزيوني (جعفر العمدة).
وبذلك فإن تكلفة إنتاج دراما رمضان هذا العام تزيد على ثلاثة مليارات جنيه، تُباع لأكثر من قناة بضعف تكلفتها تقريبًا، أو يُباع بعضها حصريًا لفضائية واحدة.
وقد صرّح أحد أصحاب الوكالات الإعلانية بأن كعكة إعلانات الفضائيات على مدار العام، دون شهر رمضان الذي يُعد دورة برامجية منفصلة، تبلغ سبعة مليارات جنيه، بالإضافة إلى قيمة إعلانات مسلسلات رمضان التي تُباع بسعر أعلى، وتصل إلى ستة مليارات جنيه.
وبذلك يتأكد أن اقتصاد رمضان الدرامي يقارب العشرين مليار جنيه من خلال البيع والتوزيع للموسم ما بعد الرمضاني.
وهذه هي القيمة الاقتصادية للدراما الرمضانية.
أما عن الأجور الباهظة للنجوم فهي من حقهم، لأنهم يجعلون المنتج الذي يبيع المسلسل بالنجم السوبر يحقق أرباحًا قد تصل إلى أربعة أضعاف التكلفة على الأقل، فيربح المنتج أضعاف أجر النجوم، وفقًا لقاعدة العرض والطلب والإقبال الجماهيري، الذي يجسده إقبال المعلنين على أعمال نجم معين دون غيره.
ويظل المنتج يبيع المسلسل على مدار العام لقنوات لم تعرضه في السباق الرمضاني، كما يعيد بيعه بعد خمس سنوات طبقًا لقانون الملكية الفكرية.
أما عن القيمة الفنية، ففي عجالة هناك عدة ظواهر أخرى كثيرة لا يسع المقال لشرحها تفصيلًا، ولكن يمكن رصدها في سطور حتى ينتبه صُنّاع الدراما التلفزيونية والقائمون عليها، وأهمها:
أولًا: غياب الموضوع الدرامي الجيد فكرًا ومعالجة وحرفية، والمستند إلى حبكة درامية مقنعة تجعل المشاهد يتعايش مع الأحداث، بل إن بعض المشاهدين قد يتوحدون مع البطل ويشفقون على مصيره، مما يجذب انتباههم ويحقق أعلى نسب مشاهدة.
كما كنا نستمتع بإبداع الكبار مثل أسامة أنور عكاشة وروائعه (الشهد والدموع، وليالي الحلمية، وأبو العلا البشري، وزيزينيا، وضمير أبلة حكمت)، وكذلك درر المبدع الكبير محمد جلال عبد القوي، الذي ما زال يبدع ولا أحد يسعى للنهل من معينه الذي لا ينضب، ومن أعماله (المال والبنون، وغوايش، وأولاد آدم، والليل وآخره).
وكذلك المتميز عبد الرحيم كمال في أعمال مثل (الرحايا، وشيخ العرب همام، وونوس، ودهشة).
وهناك أيضًا أعمال تعبر عن هذا التميز كتبها مؤلفون ليسوا من نجوم الكتابة الكبار، مثل مسلسلات (فوق مستوى الشبهات)، بما تحمله من تكنيك كتابة رائع، والمعالجة الدرامية في (لا تطفئ الشمس)، وأعمال مثل (ونوس، وهي، ودافنشي).
ثانيًا: آفة التطويل الممل الذي يفقد العمل متعته ويضعف الحبكة الدرامية، وهي ظاهرة تطال أغلب ما يُقدَّم من محتوى درامي.
ثالثًا: غياب السيكودراما الثرية بالقيمة الفنية، مثل ما قدمته أعمال (تحت السيطرة، والخانكة، وهي، ودافنشي، وفوق مستوى الشبهات).
رابعًا: ظاهرة استسهال بعض الكُتّاب والنهل من أشهر وأحدث الوقائع الحياتية والاجتماعية بشكل يصل أحيانًا إلى التسطيح الدرامي، كما في مسلسلات مثل (سفاح الجيزة)، و(ورد وشيكولاتة)، و(أعلى نسبة مشاهدة).
خامسًا: ظاهرة الأبطال الجدد؛ فقد نجح بعضهم بتفوق مثل أحمد مالك، وعصام عمر، وطه دسوقي، بينما لم يستمر البعض الآخر في البطولة مثل يوسف عمر.
كما يلاحظ غياب تقديم بطلات شابات يحملن شرف البطولة وتقبل القنوات شراء وعرض أعمالهن، فما زلنا نعتمد على النجمات الكبيرات مثل ياسمين عبد العزيز، ومنى زكي، ومنى شلبي، خاصة بعد تغير شكل غادة عادل، ويسرا اللوزي، وأروى جودة، بما قد يعيق قيامهن بدور الفيديت بينما الموهوبة باقتدار سهر الصايغ لم تُكتشف بعد كبطلة يُسوَّق العمل باسمها.
سادسًا: الظاهرة الأخطر هي ورش الكتابة الدرامية؛ إذ يذكرني أمين جمال في إشرافه على أغلب ورش الكتابة بمقاول الأنفار في دنيا المعمار، رغم أن الكتابة الجيدة أيضًا بناء درامي، ولا علاقة بين المهنتين.
ووجود مشرف على ورشة الكتابة غالبًا ما يكون هو نفسه بحاجة إلى أستاذ يشرف عليه لقلة خبرته؛ فمشرف فريق ورش الكتابة الدرامية لا يمكن أن يضمن وحدة الأسلوب التعبيري أو يحقق وحدة الموضوع الدرامي، وأحيانًا نجد تضاربًا في رسم الشخصيات الدرامية وموقفها من سائر شخصيات المسلسل، وفق شبكة العلاقات بين شخوص العمل الدرامي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك