العقبة- كانت مدينة العقبة تستعد لاستقبال حركة سياحية نشطة خلال الفترة المقبلة، مدفوعة بزيادة متوقعة في رحلات الطيران العارض (التشارتر) والمنتظم، وسط آمال بأن يشكل شهر آذار (مارس) نقطة انطلاق لموسم سياحي واعد يعزز النشاط الاقتصادي في المدينة والمنطقة الجنوبية، إلا أن التطورات الإقليمية المتمثلة بحرب الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي على إيران، وما رافقها من توترات ألقت بظلالها على المشهد، لتتحول التوقعات بانتعاش الحركة السياحية إلى حالة من الحذر والبحث عن أسواق بديلة بعد إلغاء عدد من الرحلات الجوية التي كانت مبرمجة للوصول إلى المدينة.
اضافة اعلان.
فلم يكن الشهر الحالي كما خطط له؛ فبدلا من أن تعج فنادق العقبة وشوارعها بالسياح الأوروبيين، جاءت المؤشرات لتظهر تراجعا واضحا في الحركة السياحية.
وفي هذا السياق، قالت مديرة مديرية السياحة في سلطة منطقة العقبة الخاصة، سلام المالكي، إن 12 رحلة طيران عارض كان من المقرر أن تصل إلى العقبة خلال شهر آذار (مارس) من أربع وجهات سياحية أوروبية قد أُلغيت بالكامل نتيجة ظروف الحرب المحيطة في المنطقة.
وأوضحت المالكي، بلغة الأرقام، أن نسبة الإشغال الفندقي المتوقعة في العقبة خلال شهر آذار (مارس) كانت تقارب 62 %، وهي نسبة مبشرة لموسم الربيع، إلا أنها انخفضت فعليا لتسجل نحو 22 % فقط نتيجة الظروف الناجمة عن الحرب وتداعياتها النفسية والأمنية على حركة السفر العالمية.
وكان جدول الرحلات الجوية للشهر الحالي، يعكس قفزة نوعية في أعداد الرحلات القادمة والمغادرة عبر مطار الملك الحسين الدولي.
وبحسب سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، فإن هذا الجدول كان مؤشرا واضحا على تعافي الحركة السياحية وتنامي الطلب العالمي على العقبة كوجهة دافئة وآمنة.
وكان من المقرر أن تهبط طائرات قادمة من مدن أوروبية عدة، مثل صوفيا وبودابست وميلانو ووارسو وبرلين، حاملة آلاف السياح الراغبين في زيارة منطقة المثلث الذهبي التي تضم العقبة ووادي رم والبتراء، وهي مناطق تتميز بتنوعها السياحي والطبيعي.
من جانبه، قال مدير مطار الملك الحسين الدولي المهندس محمد الصرايرة، في تصريحات سابقة لـ" الغد"، إن إدارة المطار والأجهزة الأمنية والمدنية العاملة كافة، رفعت من مستوى استعداداتها للتعامل مع الجدول المزدحم المتوقع للرحلات الجوية.
وأشار الصرايرة إلى أن المطار كان يعمل كخلية نحل على مدار الساعة، حيث جرى تحديث خطط التشغيل الأرضي لضمان انسيابية حركة المسافرين، مؤكدا أن المطار يمتلك بنية تحتية قوية ومدرجات قادرة على استقبال مختلف طرازات الطائرات، كما نفذت حزمة من التحديثات شملت تطبيق نظام SITA Check-in وتطوير أنظمة مناولة الأمتعة.
لكن هذه الجاهزية اصطدمت بواقع الإلغاءات، في حين يضيف الصرايرة أن جاهزية المطار لم تتأثر، وأن الإدارة تستغل هذه الفترة لتنفيذ المزيد من أعمال التطوير والصيانة، استعدادا لعودة الحركة السياحية إلى طبيعتها.
بدوره، قال مدير مكتب سياحي يوسف هلالات، إن غياب الطائرات التي كانت مجدولة للوصول إلى العقبة ترك أثرا كبيرا على القطاع، مشيرا إلى أن الحرب أثرت على حركة الطيران في الإقليم بأسره.
وأضاف، أن مكاتب السياحة والسفر وأصحاب المنشآت السياحية في العقبة، كانوا يعيشون حالة من التفاؤل الحذر مع بداية الموسم، إلا أن هذا التفاؤل تبدد مع توالي أخبار إلغاء الرحلات، لافتا إلى أن عودة الطيران العارض بهذا الزخم كانت بمثابة قبلة حياة للقطاع، لا سيما مع الحجوزات التي كانت تشمل برامج سياحية إلى وادي رم والبتراء انطلاقا من العقبة.
وأوضح هلالات، أن السياح الأوروبيين غالبا ما يكونون شديدي الحساسية تجاه الظروف الأمنية، ورغم أن الأردن يتمتع بدرجة عالية من الأمن والاستقرار، فإن الصورة العامة للمنطقة تتأثر بأي توترات إقليمية، ما انعكس مباشرة على قرارات السفر.
وبحسب العامل في شركة نقل سياحي مهند نصار، فإن النشاط السياحي كان سيخلق فرص عمل إضافية للسائقين والأدلاء السياحيين، إلا أن توقف الرحلات أدى إلى تراجع الحركة وعودة الحافلات إلى ساحاتها دون عمل.
كما أكدت مديرة الحجوزات في أحد فنادق الخمس نجوم في العقبة، سهى عبده، أن تراجع نسب الإشغال من 62 % إلى 22 % يشكل ضربة قاسية للقطاع الفندقي، مشيرة إلى أن الفنادق كانت قد استعدت للموسم بتعيين موظفين إضافيين وتجهيز المرافق والمطاعم بناء على الحجوزات المؤكدة للطيران العارض، لكنها وجدت نفسها مضطرة الآن لإعادة ترتيب نفقاتها وتقليص المصاريف.
أمام هذا الواقع، بدأت الجهات المعنية البحث عن أسواق سياحية بديلة لتعويض التراجع في الأسواق التقليدية.
وفي هذا السياق، أكد مفوض السياحة في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، الدكتور ثابت النابلسي، أن السلطة بدأت بتفعيل ما وصفه بـ" الخطة البديلة".
وأشار النابلسي إلى أن إلغاء 12 رحلة طيران عارض كان سيضخ آلاف السياح في اقتصاد العقبة، إلا أن هذه الأزمة أظهرت الحاجة إلى تنويع الأسواق السياحية.
وأضاف أن الإستراتيجية الحالية، بالتعاون مع هيئة تنشيط السياحة، تركز على استهداف أسواق جديدة أقل تأثرا بالأحداث الجيوسياسية في المنطقة.
وأوضح النابلسي، أن الجهود التسويقية تتجه حاليا نحو أسواق آسيا، وتحديدا الصين والهند، إضافة إلى تعزيز السياحة العربية البينية والسياحة الداخلية، والعمل على استقطاب سياح من دول أفريقية صاعدة.
وامتد أثر توقف الطيران العارض ليشمل قطاعات خدمية وتجارية متعددة في العقبة، مثل محلات البيع بالتجزئة والمطاعم والأسواق الشعبية في وسط المدينة، التي كانت تستعد لاستقبال موسم سياحي نشط.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور فراس العكايلة، أن هذا التراجع المفاجئ يتطلب استجابة حكومية مدروسة وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص، موضحا أن زيادة عدد الرحلات الجوية كانت تعني زيادة في الإنفاق المباشر داخل الاقتصاد المحلي.
وأضاف، أن كل طائرة كانت تصل إلى العقبة تمثل قوة شرائية جديدة تدعم الحركة الاقتصادية، وأن غياب هذه الرحلات يؤدي إلى تراجع السيولة ويؤثر في استقرار العمالة في القطاع السياحي.
واقترح العكايلة تقديم حوافز ضريبية مؤقتة للمنشآت السياحية المتضررة، إضافة إلى تخفيض الكلف التشغيلية مثل فواتير الطاقة، إلى جانب تشجيع المنشآت السياحية على طرح عروض موجهة للسائح المحلي والعربي، والتركيز على السياحة العائلية وسياحة المؤتمرات كبدائل مؤقتة حتى عودة الطيران العارض الدولي.
ويجمع خبراء في السياحة والاقتصاد، على أن أبرز التحديات التي تواجه العقبة حاليا تتمثل في الحفاظ على البنية التحتية السياحية والكوادر البشرية المدربة في ظل تراجع الدخل، إلى جانب ضرورة تنويع المنتج السياحي بما يتناسب مع الأسواق الجديدة المستهدفة.
ويرى هؤلاء أن العقبة أثبتت عبر السنوات قدرتها على التعافي من الأزمات، وأن تراجع الإشغال الفندقي إلى 22 % يشكل انتكاسة للموسم الحالي، لكنه في الوقت ذاته يمثل جرس إنذار يدفع إلى إعادة صياغة الإستراتيجيات السياحية.
كما أكدوا أن تنويع الأسواق السياحية، وعدم الاعتماد على سوق واحد، وتكثيف الحملات التسويقية في مناطق جديدة من العالم، هي خطوات ستجعل السياحة في العقبة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات مستقبلا، لافتين إلى أنه رغم التحديات الحالية، تبقى العقبة بوابة الأردن البحرية والجوية نحو العالم، ووجهة سياحية تجمع بين التاريخ والطبيعة والأمن، ما يمنحها فرصا كبيرة لاستعادة زخمها السياحي خلال الفترة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك