احتضن فضاء «حوش محمود بي» مساء الجمعة 16 رمضان ندوة «زمن الروائيات الليبيات - احتفاء بالسرد الليبي»، ضمن فعاليات «الموسم الثقافي الرمضاني بالمدينة القديمة 2026»، بمشاركة الروائيتين عائشة إبراهيم وكوثر الجهمي، وأدارة الكاتبة أحلام المهدي، وسط حضور عدد من المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي.
الليبي.
وتركز الحديث والنقاش خلال الندوة حول تطور الرواية النسائية في ليبيا، حيث تناولت الروائية عائشة إبراهيم مسألة قدرة الرواية النسائية على التعبير عن هواجس المرأة الليبية وتقديم رؤية مغايرة للقضايا الوجودية، وأوضحت أن الرواية النسائية في ليبيا لم تستطع بعد الإحاطة الكاملة بهذه الهواجس، لأن تعقيد التجربة النسائية يجعل من الصعب اختزالها داخل النصوص السردية، مشيرة إلى أن طبيعة هذه الهواجس تختلف باختلاف السياقات الاجتماعية والسياسية، ففي المجتمعات المستقرة تنشغل المرأة بأسئلة «تحقيق الذات وتكافؤ الفرص واكتساب الحقوق المدنية»، بينما في الحالة الليبية، ومع الحروب والنزوح والانفلات الأمني وصعوبة المعيشة، تحولت الأسئلة الوجودية إلى «صراع البقاء والخوف من الفقد».
حضور الراهن الليبي في الرواية.
وتطرقت عائشة إبراهيم إلى كيفية حضور الواقع الليبي في الرواية النسوية، موضحة أن هذا الحضور لا يأتي غالبًا في شكل توثيق مباشر أو محاكاة يومية للأحداث؛ بل يظهر عبر مستويات متعددة، أبرزها المناخ النفسي الذي ينعكس على الشخصيات ومسار الأحداث، وقدمت مثالًا عن روايتها «صندوق الرمل»، التي على الرغم من تناولها وقائع تاريخية، إلا أنها تعكس التأثير النفسي للراهن الليبي على الكاتبة، كما أشارت إلى رواية «دلتونية» للروائية نهلة العربي، التي تمزج بين الواقعية السحرية والفانتازيا، لكنها تحمل في بنيتها السردية مناخًا نفسيًا مضطربًا يظهر في شخصيات قلقة وأحداث صادمة، مثل انتحار البطلة وظهور «شجرة الزقوم» في فناء المنزل، بوصفه انعكاسًا للمناخ النفسي الذي يفرضه الواقع الليبي.
وأضافت الروائية أن الراهن الليبي قد يظهر أيضًا في الرواية عبر أحداث سياسية تتحول إلى مأساة شخصية، كما في رواية «أم الزين» للكاتبة غالية يونس، التي تروي قصة أم فقدت ابنها مع اندلاع أحداث بنغازي العام 2011، ما قادها إلى حالة من العزلة والانفصال النفسي عن الواقع.
كما ناقشت الندوة سؤالًا يتعلق بما إذا كانت الرواية النسائية الليبية قد تجاوزت إطارها النسوي لتتناول الإنسان بوصفه تيمة أوسع.
وفي هذا السياق رأت عائشة إبراهيم أن الروائيات الليبيات خضن بالفعل في موضوعات إنسانية متعددة، وقدمت بعض التجارب مستويات عالية من الإبداع والنجاح.
غير أنها أشارت إلى أن الروايات التي تشتغل مباشرة على عوالم المرأة ما تزال بحاجة إلى «مزيد من الجرأة»، في مجتمع لا يزال متحفظًا تجاه حديث المرأة عن تفاصيل عالمها الخاص.
الخصوصية المحلية في السرد الليبي.
وعن حضور الخصوصية المحلية في الرواية، أكدت عائشة أن الرواية التي تنقل الواقع المحلي تكون «أكثر صدقًا في السرد»، مشيرة إلى أن الرواية الليبية لم تكتسب هويتها الكاملة إلا عندما تخلصت من التأثيرات المشرقية وبدأت في التعبير عن بيئتها الخاصة.
وأوضحت أن رواية «ليالي نجمة» للكاتب خليفة حسين مصطفى تُعد من أوائل الأعمال التي عبّرت بوضوح عن المحلية الليبية.
كما أشارت إلى رواية «قصيل» التي قدمت صورة غنية لهوية المكان في مدينة بني وليد بما تحمله من عادات وتقاليد وموروث اجتماعي.
وأضافت أن العديد من الروايات الليبية عززت حضور هذه الخصوصية، مثل أعمال الكاتبة عائشة الأصفر التي نقلت تفاصيل الحياة الاجتماعية في سبها، إضافة إلى روايات نجوى بن شتوان مثل «وبر الأحصنة» و «زرايب العبيد»، التي وظفت الأمثال الشعبية والموروث الشفهي واللهجة المحلية، ما منح الرواية الليبية عمقها الثقافي وهويتها المميزة.
التابوهات في الكتابة النسائية.
من جانبها، تحدثت الروائية كوثر الجهمي عن التحديات التي تواجه المرأة الكاتبة عند الاقتراب من الموضوعات الحساسة أو«التابوهات»، مشيرة إلى أن هذه التحديات تكون أكثر حدة في المنطقة العربية بسبب التعقيدات الاجتماعية والظروف الأمنية غير المستقرة.
وأوضحت الجهمي أن الرجل غالبًا ما يُنظر إليه بوصفه شجاعًا عندما يتناول هذه الموضوعات، بينما يختلف الأمر بالنسبة للمرأة، إذ إن الرجل «يتحمل تبعات قراراته بشكل فردي»، في حين أن المرأة عندما تقترب من هذه الموضوعات لا تواجه المساءلة الاجتماعية وحدها؛ بل قد تمتد آثار ذلك إلى محيطها الأسري والاجتماعي.
الهامش في الرواية الليبية.
وفي سياق آخر، تناولت كوثر الجهمي مسألة حضور «الهامش» في الرواية النسائية، معتبرة أن الزمن الذي نعيشه هو «زمن الهامش»، إذ بات من المتوقع من الرواية أن تلتفت إلى الفئات التي ظلت خارج مركز السرد التقليدي.
وأشارت الجهمي إلى أن هذا الهامش لا يقتصر على الفئات الاجتماعية المهمشة فحسب، بل يشمل أيضًا الهامش التاريخي، مستشهدة برواية «حرب الغزالة» للروائية عائشة إبراهيم التي تناولت جانبًا مهمشًا من تاريخ ليبيا.
وأضافت أن الرواية النسائية الليبية نجحت في الاقتراب من هذا الهامش على الرغم من محدودية عدد الروائيات، مستشهدة بأعمال مثل «زرايب العبيد» للروائية نجوى بن شتوان، ورواية «نساء الريح» التي تناولت عدة شخصيات من بينها امراة ذات تجربة مع الهجرة غير الشرعية اتخذت من ليبيا محطة لعبور البحر، إضافة إلى رواية «صندوق الرمل» التي سلطت الضوء على تجربة المنفيات الليبيات، وهي فئة لا يعرف كثيرون تفاصيل معاناتها؛ إذ يعتقد معظم الناس أن النفي اقتصر على الرجال.
الجوائز الأدبية ودافع الكتابة.
كما تحدثت الجهمي عن علاقتها بالجوائز الأدبية، موضحة أن فكرة روايتها «عايدون» كانت حاضرة في ذهنها قبل إعلان جائزة «مي غصوب»، غير أن الإعلان عن الجائزة شكّل حافزًا لإنهاء الكتابة خلال ستة أشهر، وأضافت أنها لم تكن تتوقع الفوز بالجائزة، لكنها رأت أن الجوائز قد تكون دافعًا إضافيًا للكتابة دون أن تكون المحرك الأساسي لها.
المشهد الروائي النسائي في ليبيا.
وعن تقييم المشهد الروائي النسائي في ليبيا، اعتبرت الجهمي أن ما تحقق منذ سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم يمثل نجاحًا مهمًا، على الرغم من محدودية الأسماء النسائية في هذا المجال، و أوضحت أن التجربة يمكن وصفها بأنها «خطوات صغيرة وبطيئة لكنها ثابتة»، مشيرة إلى أن النقاش الذي دار خلال الندوة كشف عن زاوية جديدة في فهم الكتابة النسوية.
فبعد أن أشارت عائشة إبراهيم إلى أن الأعمال التي تتناول القضايا النسوية قد تواجه جمهورًا أقل مقارنة بالأعمال ذات الطابع الإنساني العام، طرحت كوثر الجهمي سؤالًا حول ما إذا كان هذا الأمر قد يدفع بعض الكاتبات إلى تجنب الكتابة عن القضايا النسوية.
غير أن إجابة عائشة إبراهيم جاءت مفاجئة للجهمي عندما وصفت رواية «ولد بلاد» بأنها «رواية نسوية من الدرجة الأولى»، لأنها تناولت قضية المساواة بين المرأة والرجل في مسألة منح الجنسية، وهو تفسير قالت كوثر الجهمي إنه جعلها تدرك أن الكاتب قد يكتب أحيانًا عن قضايا معينة بشكل غير واعٍ، قبل أن يكتشف أبعادها لاحقًا من خلال قراءة النقاد والجمهور.
أحلام المهدي: تجربة جميلة لن أنساها.
وفي ختام الندوة، عبّرت مديرة الجلسة الكاتبة أحلام المهدي عن سعادتها بإدارة هذا اللقاء، واصفة الحدث بأنه «تجربة جميلة لن أنساها».
وقالت إن تواصلها مع الروائيتين كشف لها جانبًا إنسانيًا عميقًا يدعم الإبداع الأدبي، مؤكدة أن «الهدوء والثقة واللطف والذكاء، إلى جانب الثراء المعرفي والثقافة العالية، كانت سمات واضحة في شخصية كل من عائشة إبراهيم وكوثر الجهمي».
وأضافت أن هذا اللقاء جعلها تتطلع إلى قراءة أعمالهما «بشغف أكبر»، ومتابعة مسيرتهما الإبداعية «بفخر واعتزاز».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك