لا شك أن حفاظ مصر على هذا المستوى من الاستقرار فى بيئة إقليمية مضطربة يتطلب جهداً مستمراً، فالتحديات المحيطة بمصر ما زالت قائمة، سواء فى صورة صراعات مسلحة فى الإقليم، أو توترات سياسية متصاعدة، أو أزمات اقتصادية عالمية تلقى بظلالها على المنطقة بأكملها.
ولكن.
التجربة المصرية خلال السنوات الماضية لفتت أنظار العالم إلى وجود تلك الحالة المؤسسية، القادرة على التعامل مع هذه التحديات دون أن تتحول إلى تهديد مباشر للاستقرار الداخلى.
ويحسب للمجتمع المصرى نفسه أنه لعب دوراً مهماً فى هذه المعادلة، فبعد سنوات من التقلبات السياسية، أصبح هناك إدراك (شعبى) واسع لأهمية الحفاظ على الاستقرار باعتباره شرطاً أساسياً لأى عملية تنمية أو إصلاح اقتصادى.
هذا الإدراك المجتمعى (النموذجى) ساهم فى خلق بيئة أكثر استعداداً لتحمل الضغوط الإقليمية دون الانزلاق إلى الفوضى سواء كانت خلاقة أو غير خلاقة.
وفى ضوء ذلك، يمكن القول إن بيان وزارة الخارجية لا يقتصر على كونه توضيحاً دبلوماسياً موجهاً إلى شركاء مصر الدوليين، بل يحمل أيضاً رسالة أوسع مفادها أن مصر، رغم كل ما يحيط بها من اضطرابات، لا تزال قادرة على الحفاظ على توازنها الداخلى.
والأكثر من ذلك، أنها تسعى إلى تحويل هذا الاستقرار إلى عنصر قوة إقليمى، يعزز دورها كدولة محورية فى الشرق الأوسط.
المنطقة اليوم تمر بمرحلة شديدة الحساسية، وفى هذا السياق المرتبك، يصبح وجود دول مستقرة مثل مصر أمراً بالغ الأهمية ليس فقط لشعبها، ولكن للشعوب الأخرى، فى الدول المجاورة، أو حتى شعوب دول أخرى خارج الإقليم.
ولعل الرسالة الأهم التى يمكن استخلاصها من التطورات الأخيرة، تتلخص فى أن الاستقرار لا يتحقق بالصدفة، لكنه نتيجة تراكم طويل من السياسات والإجراءات وقدرة الدولة على إدارة الأزمات.
ومصر بما تمتلكه من مؤسسات راسخة وخبرة تاريخية فى التعامل مع التحديات، تبدو اليوم أكثر قدرة على الحفاظ على هذا التوازن فى عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم.
يمكننا القول إن ما حققته مصر من استقرار أمنى فى ظل كل هذه الظروف بالغة التعقيد لم يكن ضربة حظ، لكنه نتاج عمل دؤوب ورؤية استراتيجية واضحة.
وزارة الخارجية قدمت نموذجاً واضحاً للدبلوماسية النشطة التى لا تنتظر الأحداث، بل تسبقها وتحتوى تداعياتها.
وبقاء إرشادات السفر الدولية لمصر دون تغيير هو تأكيد دولى على أن القاهرة تواصل مسيرتها كواحة أمن وأمان فى منطقة مضطربة، وكمركز ثقل يمكن الاعتماد عليه فى أصعب الظروف.
تكشف تفاصيل البيان عن حجم العمل الدبلوماسى المكثف الذى قامت به وزارة الخارجية، فالاتصالات لم تكن مجرد إجراء بروتوكولى، بل حملت رسائل تطمينية واضحة تؤكد أن مصر على أتم الاستعداد والجاهزية لمواجهة أى طارئ.
وتجلى ذلك فى التأكيد على أن مصر تُعد أحد المراكز الأساسية لعمليات إجلاء الأجانب من المنطقة عند الحاجة، وذلك فى ظل الجاهزية الكاملة لمؤسسات الدولة.
هذه الرسالة تحمل دلالات عميقة: فمصر لا تكتفى بأن تكون بمنأى عن المخاطر، لكنها جزء من الحل، كمركز ثقل يمكن الاعتماد عليه فى الأوقات العصيبة.
ستظل مصر -بتاريخها وإمكانياتها وإرادة شعبها- حاضرة كواحة استقرار نسبى فى إقليم يموج بالأزمات، وهو ما يفسر استمرار ثقة المجتمع الدولى فى قدرتها على البقاء خارج دوائر الفوضى، بل والمساهمة أحياناً فى احتوائها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك