يتساءل كثيرون عن حكم اعتكاف المرأة في العشر الأواخر من رمضان وشروطه وضوابطه الشرعية.
توضح هبه إبراهيم، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، مفهوم الاعتكاف وأركانه وشروط صحته للمرأة، وأهم ما ينبغي مراعاته ليكون اعتكافًا صحيحًا ومقبولًا.
مع دخول العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، يحرص كثير من المسلمين على إحياء سُنَّة الاعتكاف طلبًا لرضا الله تعالى واغتنامًا لليالي المباركة، وعلى رأسها ليلة القدر.
ويُعد الاعتكاف من العبادات العظيمة التي تُجدِّد صلة العبد بربه، وتمنحه فرصة للخلوة الإيمانية والابتعاد عن مشاغل الحياة.
وفي هذا السياق توضِّح هبه إبراهيم، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، مفهوم الاعتكاف وحكمه في حق المرأة، وأركانه وشروطه، وما ينبغي مراعاته حتى يكون اعتكافها صحيحًا وموافقًا للهدي النبوي.
تقول هبه إبراهيم، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية: إن الاعتكافُ في جوهرهِ انقطاعُ العقلِ والقلبِ عن شاغلاتِ الدنيا، والانشغالُ التامُّ باللهِ عزَّ وجلَّ، وطلبُ رضاهُ.
وهو خلوةٌ إيمانيَّةٌ تتحقَّقُ بالانقطاعِ عمَّا سوى اللهِ، والتركيزِ على العباداتِ الذاتيَّةِ؛ كالذِّكرِ، والصلاةِ، وقراءةِ القرآنِ بتدبُّرٍ وتفكُّرٍ.
أمَّا حكمُ اعتكافِ المرأةِ:
فالاعتكافُ سُنَّةٌ في حقِّ النساءِ كما هو سُنَّةٌ في حقِّ الرجالِ؛ وقد دلَّت السُّنَّةُ النبويَّةُ على ذلك، فعن السيدةِ عائشةَ – رضيَ اللهُ عنها وأرضاها – أنَّ النبيَّ ﷺ: «كانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِن رَمَضَانَ، حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِن بَعْدِهِ» [متفقٌ عليه].
فيقومُ الاعتكافُ على ركنينِ أساسيَّينِ لا يصحُّ بدونهما:
الأوَّلُ: النِّيَّةُ؛ بأن تنويَ المرأةُ بقلبِها الانقطاعَ للعبادةِ تقرُّبًا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ.
الثاني: المُكثُ؛ وهو البقاءُ في المكانِ المُخصَّصِ للاعتكافِ فترةً من الزمنِ.
وأمَّا شروطُ اعتكافِ المرأةِ:
فلكي يكونَ اعتكافُ المرأةِ صحيحًا وموافقًا للهديِ النبويِّ، ينبغي توفُّرُ الشروطِ الآتيةِ:
إذنُ وليِّ الأمرِ (كالزوجِ أو الأبِ)، فلا يصحُّ اعتكافُها إذا كان يترتَّبُ عليه ضياعُ حقٍّ واجبٍ، أو تقصيرٌ في رعايةٍ لازمةٍ.
أمنُ الفتنةِ؛ بأن يكونَ مكانُ الاعتكافِ آمنًا، ويضمنُ للمرأةِ خصوصيَّتَها وسترَها.
الطَّهارةُ؛ بأن تكونَ المعتكفةُ طاهرةً من الحيضِ والنفاسِ؛ لأنَّ المُكثَ في المسجدِ شرطٌ عند جمهورِ الفقهاءِ، والحائضُ ممنوعةٌ منه.
خلوُّ المكانِ من الاختلاطِ؛ وذلك بالالتزامِ بالمكانِ المُخصَّصِ للنساءِ، والابتعادِ عن مواضعِ ازدحامِ الرجالِ.
وأمَّا مُبطلاتُ الاعتكافِ:
فينبغي على المعتكفةِ الحذرُ من الأمورِ التي تقطعُ اعتكافَها، وهي:
خروجُ دمِ الحيضِ أو النفاسِ.
قطعُ نيَّةِ الاعتكافِ (بالعزمِ على إنهائِهِ).
الخروجُ من المسجدِ (أو المكانِ المُخصَّصِ) لغيرِ حاجةٍ ضروريَّةٍ.
وأمَّا مدَّتُهُ وفقهُ الأولويَّاتِ فيه:
فأقلُّ مقدارٍ للاعتكافِ يتحقَّقُ بقدرِ الطمأنينةِ – ولو لمدَّةٍ يسيرةٍ – ممَّا يفتحُ البابَ للمرأةِ أن تنويَ الاعتكافَ وتنالَ أجرَهُ حتى في الأوقاتِ القصيرةِ؛ إذ قد تنشغلُ المرأةُ بواجباتٍ ومسؤوليَّاتٍ مختلفةٍ.
بما أنَّ الاعتكافَ «سُنَّةٌ»، والقيامُ بواجباتِ الأسرةِ أو الرعايةِ أو ما شابهَ قد يكونُ «واجبًا»، فإنَّه يجبُ على المرأةِ تقديمُ الواجبِ على السُّنَّةِ.
فإذا استدعى الأمرُ خروجَها أو قطعَ اعتكافِها لأمرٍ أوجبَ، فلتقطعْهُ ولتؤدِّ الواجبَ، ولها أجرُ نيَّتِها بإذنِ اللهِ؛ فالدِّينُ فقهٌ للأولويَّاتِ كما هو عبادةٌ للمحرابِ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك