تتكدس عائلات تحت نصب ساحة الشهداء.
هذا المكان الذي يخلد تضحيات الشعب اللبناني، بالكاد يكفي للاحتماء من أشعة الشمس الحارقة لبعض الأسر السورية التي نزحت من الضاحية الجنوبية للعاصمة.
وفي ظل عدم توفر أماكن للجميع في مراكز الاستقبال، يعيش هؤلاء النازحون هنا، في أقسى درجات الحرمان.
" مرت تسعة أيام منذ وصولنا إلى هنا، تقول إيمان أصيلة مدينة الرقة في شمال سوريا، انظروا نحن جالسون على الأرض، في العراء.
لم نجد مكانا في المدارس لأن الأولوية للبنانيين".
قبل 12 عاما، هربت هذه المرأة الأربعينية من بيتها بعد أن دُمر خلال المعارك العنيفة بين المتمردين الإسلاميين وجيش بشار الأسد.
وبعد أن استقرت مع زوجها وأطفالها الخمسة في الضاحية الجنوبية، هربت من معقل حزب الله عندما بدأ الجيش الإسرائيلي في إصدار أولى أوامر الإخلاء.
إثر ذلك باتت الغارات يومية، أكثر شدة في الضاحية التي توعد وزير المالية الإسرائيلي بتسئليل سموتريتش بأن تلقى نفس مصير خان يونس في جنوب قطاع غزة، التي تحولت إلى مقبرة تحت سماء مفتوحة.
اقرأ أيضاتابعوا تغطيتنا المباشرة للحرب في إيران والشرق الأوسط" الأمر صعب جدا في الليل، تضيف إيمان.
الطقس بارد ونخاف على بناتنا.
هناك أناس يتسكعون في الخارج، لا ننام.
في آخر مرة، هطل المطر واضطررنا للاحتماء في بناية.
إنه الموت، الموت".
لا تملك إيمان خيمة.
لا شيء للاحتماء من العواصف.
ولا شيء أيضا للاغتسال أو لقضاء حوائجها.
تماما مثل أطفالها، لا تأمل في شيء سوى العثور على شقة، وطبخ شيء ما.
لأنه منذ بداية الحرب، تعيش على المن التضامني.
وهو وضع يزداد صعوبة في شهر الصيام.
" يقدمون لنا السندويتشات، والأرز ولكن في رمضان نحن بحاجة إلى أكل وجبات صحية" تقول إيمان موضحة أنها تعاني من مغص في المعدة.
تحت شمس بيروت الحارقة، يلعب الأطفال الصغار غير آبهين بما حولهم.
" يقولون لي في كل وقت: نريد العودة إلى بيتنا.
نريد الذهاب إلى المدرسة.
نريد أن نستعيد أغراضنا.
البنت الصغرى تبكي عندما تخبرني عن أسماء صديقاتها.
في كل مرة، ذلك يكسر قبلي".
أحمد (اسم مستعار) كان ذا ملامح متعبة.
يتولى هذا السوري الذي كان يعيش في الضاحية الحراسة لحماية زوجته وأطفال الـ11.
" هذا الغطاء، مشيرا إلى قماش صوفي أزرق، هو لتدفئة 12 شخصا.
لقد غادرنا من دون أي شيء.
"رغم المأساة، لم يفقد رب العائلة الأمل.
" جاؤا لأخذ أسمائنا أمس.
في كل يوم، يقولون لنا إنهم سيخرجوننا من هنا" يقول أحمد في معرض حديثه عن المنظمات غير الحكومية التي تقدم لهم العون.
قبل وقت قليل، كانت ساحة الشهداء مكتظة بالخلق.
عائلات بأكملها خيمت هنا بسبب عدم توفر مراكز الاستقبال.
تم فتح 514 منشأة استقبال للطوارئ وفق وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد.
وهو رقم هزيل جدا مقارنة بحجم الكارثة الإنسانية.
إذ اضطر أكثر من 700 ألف شخص للنزوح منذ 2 مارس/آذار عندما أطلق حزب الله صواريخ على شمال إسرائيل ردا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
كان رد الجيش الإسرائيلي فوريا.
والنزوح كان كبيرا جدا.
أكبر مركز للنازحين في البلادغير بعيد عن مرفأ بيروت، في حي الكرنتينا المهمش، تحول مسلخ سابق إلى أكبر مركز استقبال في البلاد.
حيث تمت إقامة ملاجئ صفيح في وقت قياسي خلال سنة 2024 من قبل جمعية" فرح العطاء" أثناء الحرب السابقة مع إسرائيل.
" كان المكان أشبه بأنقاض، لم يتم استغلاله منذ عشرين عاما، تقول سينتيا مهدي المتطوعة.
جعلنا ذلك نزيل كل الأتربة، وأعدنا بناء كل شيء.
قمنا بتشكيل أربعة أقسام، أ، ب، ج، د.
في كل قسم، هيأنا غرفا.
أنشأنا مراحيض وحمامات في الخارج.
حاولنا إعادة كل شيء من الألف إلى الياء، فتحنا صيدلية وبدأ الأطباء في القدوم مع أخصائي نفسي للأطفال لأن كل هؤلاء الناس يشعرون بالغبن والصدمة وهم في حاجة لشخص يتحدثون له لمساعدتهم".
بعد مرور عام، عادت العائلات لهذا المركز الذي يبذل ما بوسعه لحفظ كرامتهم.
يعيش أكثر من 1100 شخص في المكان فيما ينتظر آخرون بفارغ الصبر أن يكون القسم الأخير جاهزا.
والأمر يتعلق ببضعة أيام.
" اللبنانيون متعودون (على الحرب) بالطبع، ولكنهم غاضبون، تقول المتطوعة العشرينية.
يريدون أن ينتهي كل هذا.
أنا أصيلة الجنوب وفقدت أيضا بيتي في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
أستطيع فهم مشاعرهم.
ولكن منذ 2009، كل شيء يتدهور في لبنان.
فلنقل بأننا دائما ننتظر الأسوء، لا شيء مختلف عن ذلك".
في بهو المركز، يلعب الأطفال بالكرة.
صرخات وضحكات.
مشهد مختلف بعيدا عن ضجيج القنابل الذي يصم الآذان في جنوب البلاد.
في هذه المكان الشاسع، يتوزع البالغون في جماعات.
بعضهم يدخن النارجيلة.
فيما ينتظر آخرون رؤية الطبيب أو توزيع الأدوية.
في هذا اليوم، كانت هناك خدمات تقدمها منظمة أطباء بلا حدود، وتم توزيع وجبات لأن العائلات لا تستطيع الطبخ في ظل عدم وجود مساحة مخصصة لذلك.
" لا نعلم إن كنا سنعود في المساء"منى فقدت 4 كلغ من وزنها منذ وصولها.
من الصعب الاحتفاظ بالشهية عندما نكون قد تركنا كل شيء خلفنا.
" أريد العودة إلى البيت، تقول الخمسينية.
أحلم بأن يعم السلام حقا.
قبل الحرب، كنا نخرج ولا نعلم إن كنا سنعود في المساء (إلى البيت).
"منذ 2024، رغم وقف إطلاق النار، لم يتوقف الجيش الإسرائيلي البتة عن قصف النبطية في جنوب لبنان.
" الجميع يريد للحرب أن تنتهي وألا يقتل الناس كل يوم" تضيف منى وهي تنظر إلى زوجها نبيل يحتضن حفيديه البالغين 4 وستة أعوام.
أما الجد البالغ 57 عاما، فهو مستعد لتقديم كل شيء من أجل نبيل وعلي.
في سنة 2024، نجا الطفلان بأعجوبة من غارة.
وسقطت القنبلة على بعد عشرين مترا فقط منهما، ولكن الصدمة بقيت عالقة في ذهن الطفلين.
" أنفقت مالا كثيرا لكي تتحسن حالتهما لكنها لم تبدأ بالتحسن إلا عندما وصلنا إلى هنا، يقول نبيل بتأثر.
منحونا غرفة هنا، ومنذ ذلك الحين يشعرون بالأمان.
حجرة صغيرة لكنها كافية.
يرتاحون وهناك مكان في الخارج للعب الكرة وقيادة الدراجة.
قبل أيام، تم تنظيم نشاط وتمكن الطفلان من الرسم.
لم أرهما بتلك السعادة منذ عام وخمسة أشهر".
" عام وخمسة أشهر".
إنه دهر.
لا يتوقف الجد عن تكرار هذه الجملة.
وأعرب بارتياح عن ثنائه على كرم جمعية" فرح العطاء".
وهي مبادرة خاصة بدأت في 1985.
من دونها، لكان" المسلخ" بقي مهجورا.
" الأطفال يخشون العودة إلى القرية حتى لو كان الأمر يتعلق ببيتهم وأسرتهم وألعابهم.
هناك، نسمع صوت القصف، والطائرات المقاتلة عندما تخترق جدار الصوت.
تخليت عن كل شيء من أجلهم، بيتي ومستودعي.
الأمر صعب جدا.
ولكنني سأعود حين تنتهي الحرب".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك