تنتمي أسرة جليلة إلى فئة العمالة اليومية، التي تنتقل للعمل في أراضي القرية مقابل أجر يومي وبشكل موسمي، وقد يتوقف زوجها عن العمل فترة تتجاوز الشهر دون أي مصدر دخل، ثم يعاود العمل مرة أخرى وفقا للمواسم الزراعية أو الحصاد في القرية، أو القرى والمراكز المجاورة.
وكانت جليلة تساعده في بعض الأحيان إذا ما توافرت فرصة.
تتمحور حياة جليلة وأحلامها حول أطفالها الثلاث في المراحل التعليمية المختلفة، كانت جل مخاوفها أن تضطرها الحياة إلى إخراجهم من المدرسة نتيجة الضغوط المادية، وتتمنى أن تستطيع تشجيعهم على استكمال تعليمهم وتوفير حياة كريمة لهم، وهذه هي بارقة الأمل التي شجعت جليلة على الانتظام في المدرسة الحقلية للفاو، فهناك وجدت أنها يمكن أن تساند عائلتها بشكل أفضل، معتمدة على معرفة جديدة وخبرات زراعية لم تكن متاحة لها أو للمحيطين بها من قبل.
تعد المنيا واحدة من أكبر المحافظات في مصر، ويزيد عدد سكانها عن سنة ملايين نسمة، وقد وصلت مستويات الفقر في محافظة المنيا إلى 60 في المئة من السكان، مما يجعلها ضمن أعلى أربع محافظات في مصر من حيث معدل الفقر، وتصنف مبادرة حياة كريمة ما يقرب من نصف القرى في المنيا أي 163 قرية، على أنها تنتمي إلى أفقر 1400 قرية في البلاد.
وعلى مدار السنوات الخمسة الماضية، لوحظ انخفاض كبير في دخل الأسر بين السكان الريفيين.
تتقاطع جهود عدد من مؤسسات المجتمع المدنى فى هذا التغيير الجذري في حياة جليلة وزملاؤها من الملتحقين بالمدرسة الحقلية، التي أسستها الفاو في المنيا لتستهدف 10 قرى في المحافظة ضمن القرى الأكثر احتياجا طبقا لشبكة الحماية الاجتماعية للحكومة المصرية المعروفة بـ تكافل وكرامة"، المشروع الذى اطلقته الفاو في منتصف 2024 ويتمد حتى منتصف 2026، هو" مشروع تحسين الوضع الاجتماعى والاقتصادي والأمن الغذائي وتمكين المجتمعات الريفية الضعيفة في محافظة المنيا"، بتمويل من الوكالة النرويجية ومساندة وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة الزراعة والمجلس القومى للمرأة.
التجربة العملية شجعت جليلةتقول جليلة: " رأيت بعينى فرق المحصول وجودته، حين زرعنا نفس البذور بثلاث طرق مختلفة في الحقل التجريبى، زاد المحصول الضعف، والتكلفة كانت أقل، وشعرت أنى أستطيع الزراعة بنفس الطريقة وأن أساعد زوجى وأولادى".
في المدرسة الحقلية شاهدت جليلة تجربتين عمليتين لزراعة القمح والذرة بالطرق التقليدية المختلفة مقارنة بطرق الزراعة المستدامة التي تطمح الفاو لتجذيرها كثقافة لدى المجتمع الزراعي، وتعرفت على التقنيات التي يمكن أن تضاعف المحصول وفى الوقت نفسه تقلل النفقات، وأدركت أن حلمها في زراعة قطعة أرض بنفسها ممكنا لو اتبعت طرقا أكثر استدامة وكفاءة.
هذه التجربة العملية شجعت جليلة أكثر، فاستأجرت قطعة أرض في القرية وقررت أن تزرع الذرة، معتمدة على الخبرة التي اكتسبتها والمهارات التي حصّلتها خلال موسم صيف 2024 وشتاء 2025.
تعتمد هذه التقنية على تشكيل سطح التربة إلى مصاطب مرتفعة وعريضة تفصل بينها ممرات أو" وديان" منخفضة، بدلاً من الزراعة على خطوط فردية ضيقة أو في أحواض غمر، يتم تحضير الأرض لتصبح على شكل صفوف عريضة مرتفعة (المصاطب)، يتراوح عرض المصطبة الواحدة غالبًا بين 60 سم إلى 150 سم أو أكثر، وبارتفاع يتراوح من 15 إلى 30 سم تقريبًا عن مستوى الممرات الجانبية.
تُزرع المحاصيل في صفوف على قمة المصطبة أو على جانبيها، بينما تستخدم الممرات كقنوات للري أو مسارات لمرور الآلات.
أهم مميزات هذه التنقية هو كفاءة الري سواء بالتنقيط او بالرش، تحسين تهوية التربة وصرف المياه الزائدة عن حاجة النبات، توفير المياه والطاقة نتيجة كفاءة الرى مقارنة بالرى التقليدى ما يقلل من تكاليف ضخ المياه وبالتالى ترشيد استهلاك الطاقة، وهو ما يجعلها مناسبة للزراعة في ملوى المراكز المحيط بها، نتيجة الاعتماد على الرى بمياه الأبار، ما يعرض التربة لزيادة نسبة الملوحة في حالة الرى بالغمر او سوء وضعف تصريف مياه الري.
وتتغلب تقنية الزراعة على المصاطب على مشكلات الرى التقليدي الذى يرفع تكلفة الزراعة نتيجة الاعتماد على المكينات التي تعمل بالسولار رفع المياه من الأبار الجوفية الى الأرض.
يعتمد أغلب المزارعين في تلك المناطق على الطرق التقليدية في بذر البذور عن طريق الرش، دون تنسيق وهو أمر يتسبب في إهدار كم كبير من التقاوي، في المقابل شاهدت جليلة النتيجة المضاعفة للمحصول التي يمكن أن تحصدها إذا ما اتبعت طريقة الزراعة بتنقية المصاطب.
تقول جليلة: " قللت المصاطب كمية المياه، ووقت الرى، وضاعفت المحصول"، ليس هذا فحسب بل قللت أيضا هذه التقنية في الزراعة تأثير ملوحة التربة على المحصول، إذ تقوم طريقة المصاطب الزراعية على تقسيم الأرض لخطوط مرتفعة بحيث يتم الزراعة على قمة هذه الخطوط، فيبعد ذلك جذور النبات عن المياه وتحافظ عليها من العفن.
الثوم والشطة بديلا للمبيداتلم تتوقع جليلة أن تستطيع طرق المكافحة الحيوية للآفات الزراعية على العمل بكفاءة مثل المبيدات الكيماوية، تقول: " ثوم وشطة، كنت خائفة ألا يؤثر على الدود والآفات، لكن في المدرسة تعلمنا أن رش هذه المبيدات الطبيعية في أوقات صحيحة ساهمت في الحفاظ على المحصول وبتكلفة قليلة جدا".
تعرفت جليلة وزملائها على طرق بسيطة لتحضير المبيدات الحيوية المعتمدة على مركزات الشطة والثوم، بديلا للمبيدات الكيميائية، أصبحت جليلة تعرف التركيز المطلوب لكل فدان، وتعرفت أيضا على" تراب الفرن" ونسب استخدامه مع الشطة لمواجهة الأفات.
" تراب الفرن" هو الكاربون الناعم الذي تخلفه عملية الاحتراق في الأفران التقليدية، ويعتبر عنصر حيوي في تركيبة المبيدات الطبيعية لتأثيره المباشر على الآفات، كما أن له تأثيرا مفيدا للتربة نفسها.
" عادة ما يتم مناقشة قضايا الزراعة بشكل موسع وتطرح باعتبارها دراسات صعبة التنفيذ أو الاستفادة منها لكن تجربة المدرسة الحقلية للفاو، ساعدت في تبسيط المعلومات، وتوصيلها للمستفيد الأهم والمؤثر في عملية التغيير بشكل مباشر وهو المزارع" تقول رنا حجازى منسق المدرسة في المنيا.
تتابع رنا: " هذه التقنيات البسيطة وغيرها من الحيل الطبيعية تساهم بشكل فعّال في خفض تكلفة الإنتاج، مقارنة بالطرق الرائجة الآن- لكن الأهم أنها تؤتى بثمار عضوية نظيفة وخالية من المبيدات، وتحافظ على البيئة، وتساهم في ضبط البصمة الكربونية، وتعالج تحديات نقص المياه، وهو بالضبط ما تسعى الفاو إلى تحقيقه".
المدرسة الحقلية هي أحدى أدوات تنفيذ مشروع" تحسين الوضع الاجتماعى والاقتصادي والأمن الغذائي وتمكين المجتمعات الريفية الضعيفة في محافظة المنيا"، وتهدف إلى المساهمة في الحد من الفقر وتعزيز الأمن الغذائي وسبل العيش المرنة للمجتمعات الريفية الضعيفة، بالإضافة إلى إعادة بناء نظام غذائي أكثر استدامة وقدرة على التكيف مع المناخ وذلك الضمان عدم تخلف أي شخص يعتمد على الإنتاج الزراعي من أجل رفاهيته عن الركب (خاصة أولئك الأكثر تضرراً من جائحة كورونا والصراع بين روسيا وأوكرانيا).
في خلال شهور قليلة تنتظر جليلة نتاج تجربتها الأولى بعد أن تعلمت كيف يمكن أن تضع دراسة جدوى لمحصول الذرة، واستطاعت حساب التكاليف والمصروفات والعائد المتوقع، واتخذت خطوتها الأولى فى مشروعها بتأجير أرض وتحضيرها واختيار الصنف الذي ستزرعه.
ينتظر أيضا المحيطين بجليلة من زملاؤها في المدرسة الحقلية، والمزارعين في الأراضى المجاورة مشاهدة التأثير المباشر للتقنيات الجديدة، وعلى الفور قررت جليلة استضافة المدرسة الحقلية للموسم الصيفى الجديد في أرضها لتكن مركزا لتجمع أعضاء المدرسة يجتمعون ويتبادلون الخبرات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك