بداية أنا منبهر بأداء الطفل علي السكري في مسلسل «اللون الأزرق»، متقمص الدور بدرجة تصل لحد التطابق، جعلتنى أشك في أنه طفل متوحد فعلاً، وسألت المخرج الجميل سعد هنداوي، وأنا أعرف أن قيادة طفل متوحد في اللوكيشن شىء يقترب من المستحيل، فأخبرنى بأنه طفل عادى وليس متوحداً، فقدّرت وعرفت كم الجهد الذي بذله «هنداوى» في قيادة الطفل، لكن يبقى أنه طفل له مستقبل باهر ومن أفضل الأطفال الذين مثّلوا في هذا الموسم، كتبت عن المسلسل قبل ذلك لكن البعض أرسل لي قائلاً لم نفهم ما هو سر اللون الأزرق كاختيار لعنوان المسلسل، وفى هذا المقال سأحاول شرح علاقة اللون الأزرق بالتوحد.
فى كل عام، ومع حلول الثانى من أبريل، تضاء معالم شهيرة حول العالم باللون الأزرق.
هذه الظاهرة ليست مجرد اختيار جمالى، بل ترتبط بحملة عالمية للتوعية بـاضطراب طيف التوحد، الذي يُعد أحد الاضطرابات النمائية العصبية المرتبطة باختلاف طرق التواصل والإدراك الحسى والاجتماعى، وقد اعتمد المجتمع الدولي هذا التاريخ بوصفه اليوم العالمى للتوعية بالتوحد، وهو يوم مخصص لرفع الوعى المجتمعى بهذا الاضطراب ودعم الأطفال والأسر المتأثرة به، ارتبط اللون الأزرق بحملات التوعية بالتوحد بشكل واسع بعد إطلاق منظمةAutism speaks مبادرة عالمية عُرفت باسم Light it up blue، فكرة الحملة بسيطة لكنها مؤثرة: في يوم التوعية العالمى تتم إضاءة المعالم الشهيرة في مختلف دول العالم باللون الأزرق، في إشارة رمزية إلى التضامن مع المصابين بالتوحد ونشر المعرفة حول هذا الطيف العصبى، وقد شاركَت في هذه المبادرة معالم عالمية بارزة، مثل برج إيفل في باريس، ومبنى إمباير ستيت في نيويورك، ودار أوبرا سيدنى في أستراليا، حيث تتوهج هذه المبانى باللون الأزرق في تلك الليلة لتصبح رسالة بصرية عالمية تدعو إلى الفهم والتقبل.
لا يوجد سبب علمى واحد قاطع، لكن هناك عدة تفسيرات شائعة لهذا الاختيار، أول هذه التفسيرات يرتبط بالجانب النفسى للون الأزرق؛ فهو لون يرمز إلى الهدوء والطمأنينة والاستقرار، وهى قيم تتماشى مع الرسالة الإنسانية للحملات الداعمة للأطفال المصابين بالتوحد، أما التفسير الثانى فيرتبط بالإحصاءات القديمة التى أظهرت أن تشخيص التوحد كان أكثر شيوعاً بين الذكور مقارنة بالإناث، وهو ما جعل اللون الأزرق المرتبط تقليدياً بالأولاد في الثقافة الغربية يُستخدم رمزاً للحملات، كذلك يتميز اللون الأزرق بوضوحه البصرى وسهولة استخدامه في الحملات الإعلامية والإضاءة المعمارية، مما ساعد على انتشاره سريعاً بوصفه رمزاً عالمياً، لم يقتصر التعبير الرمزى عن التوحد على اللون الأزرق فقط.
فقد انتشر أيضاً رمز قطعة البازل، الذي يشير إلى تعقيد هذا الطيف واختلاف كل حالة عن الأخرى، وكأن كل طفل يمثل قطعة فريدة في صورة أكبر، وفى السنوات الأخيرة ظهر رمز آخر هو اللانهاية متعددة الألوان، الذي يعبر عن فكرة «التنوع العصبى»، أى إن اختلاف طرق التفكير والإدراك لدى الأشخاص على طيف التوحد هو جزء من التنوع الطبيعى في الدماغ البشرى.
فى النهاية، يظل اللون الأزرق مجرد رمز، لكن قيمته الحقيقية تكمن في الرسالة التى يحملها: نشر الفهم العلمى، تقليل الوصمة الاجتماعية، ودعم الأطفال المصابين بالتوحد ليحصلوا على التعليم والتأهيل المناسبين، فالوعى المجتمعى لا يغيّر الألوان التى تضىء بها المبانى فقط، بل قد يغير حياة آلاف الأسر التى تبحث عن فهمٍ أعمق وتقبلٍ أوسع لأطفالها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك