يخبرنا تاريخ التراث الإسلامي عن الكثير من الزهاد الذين ساروا في طريق المحبة والمعارف، فكانوا قدوة لغيرهم، ومن هؤلاء يبرز اسم سهل بن عبدالله التستري «203 - 283ه» وهو عالم جليل، زاهد، وأحد أبرز أئمة الصوفية الأوائل في القرن الثالث الهجري.
عُرف بورعه الشديد، وعمق معارفه في التفسير والحديث والمعاملات، أحبه الناس فأقبلوا عليه من كل مكان ينهلون من علومه ومعارفه، وهناك من أسلم على يديه، وذلك تأثراً بخلقه النبيل وفعله الجليل، فكانت سيرته حسنة بين الناس.
ولد التستري بمدينة تستر وإليها ترجع نسبته «التستري»، وهي من أعظم مدن خوزستان، أما أسرة التستري فلم يرد الكثير عنها، غير أن المعروف أن هذا العابد الورع قد أقبل على العلوم في وقت باكر ونبغ حيث حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وصام في ذلك الوقت الباكر، ودرس الحديث وتعمّق في تفسيره إلى جانب نبوغه في المعاملات، وكل ذلك أوجد له مكانة خاصة بين علماء عصره حيث كان حجة.
أشار عدد من المؤرخين إلى أن التستري انتقل من تستر إلى البصرة ولم يكن يريد ذلك، لكن واقعة حدثت له جعلته ينتقل إلى هناك وبقي فيها حتى وفاته، حيث ذكر المؤرخون ومنهم السراج، أن التستري قد قال ضمن مواعظه: «التوبة فريضة على العبد مع كل نفس»، فاختلف الناس في تأويل ذلك القول، وكان باباً لتأليب العامة عليه، وبعد أن ضيّقوا على أمر حياته ومعيشته وأكثروا من المكائد، قرر الانتقال إلى البصرة، ورغم ذلك الانتقال إلا أنه احتفظ بمكانته العلمية، حيث كان له الكثير من التلاميذ الذين تجمعوا حوله بسبب أخلاقه الرفيعة، وتحدثت المراجع عن مذهبه وهو التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنة رسوله، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق.
كانت بدايات اتجاه التستري نحو التصوف في سن الشباب، واحتفظ الشيخ اليافعي بنص مروي عن التستري تحدث فيه عن نشأته واتخاذه التصوف منهجاً وسبيلاً لحياته، وكانت بداية السير في هذا الطريق من خلال تأثره بخاله الشيخ محمد بن سوار، الذي كان هو الآخر من العابدين السالكين، فكان أن أسس هذا الخال للتستري أول معاني التصوف، حيث بقي بعدها فترة يخلو بنفسه للعبادة والذكر والتهجد وحفظ القرآن، ويقول التستري: «كنت ابن ثلاث سنين، وكنت أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار، وكان يقوم بالليل، وكان يقول: يا سهل، اذهب ونم، فقد شغلت قلبي.
وقال لي يوماً خالي: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره؟ فقال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك: الله معي، الله ناظر إليّ، الله شاهدي.
فقلت ذلك ثم أعلمته، فقال: قلها في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك، فوقع في قلبي حلاوة».
تأثر التستري كذلك بكثيرين غير خاله ومنهم الزاهد العباداني الذي التقاه في مدينة «عابدان»، فتأدب بآدابه وانتفع بعلمه وأخذ عنه كثيراً، كما تفيد مصادر تاريخية أن التستري صحب ذا النون المصري الذي كان له دور في رعاية بذرة الزهد لديه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك