يفرض شهر رمضان على المرأة العاملة إيقاعاً يومياً أكثر تعقيداً، فهي مطالبة بالحفاظ على إنتاجيتها المهنية، ومتابعة متطلبات الأسرة، والاستجابة للواجبات الاجتماعية التي تزداد عادة خلال الشهر الفضيل، الأمر الذي يجعل التنظيم المسبق وتقاسم المسؤوليات داخل الأسرة من أبرز أدوات التكيف مع هذا الواقع.
وتشير شهادات نساء عاملات إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في كثرة المهام، بل في تتابعها دون انقطاع، إذ يبدأ اليوم مع ساعات الفجر الأولى، ويمتد بين العمل والتحضير للإفطار ومتابعة شؤون المنزل، ليصل إلى ساعات الليل التي يفترض أن تكون مخصصة للراحة و العبادة و التواصل الأسري، ما يجعل الضغط تراكمياً أكثر منه آنياً.
وفي هذا السياق، تؤكد الممرضة المناوبة في الهيئة العامة لمشفى الأطفال ديمة حبيب في تصريح لـ سانا: أن طبيعة العمل الصحي خلال رمضان تفرض أعباء إضافية، ولا سيما بالنسبة للمناوبات الليلية أو تلك التي تتزامن مع موعد الإفطار، وأن ساعات العمل في القطاع الصحي لا ترتبط بظروف الشهر الفضيل بقدر ارتباطها بحاجات المرضى واستمرارية الخدمة.
وتقول حبيب: “أحياناً تبدأ مناوبتي قبل موعد الإفطار بقليل، فنضطر إلى تناول الإفطار داخل القسم بين المرضى، لكن الشعور بأننا نؤدي واجباً إنسانياً يخفف من التعب، ويمنحنا دافعاً للاستمرار رغم ضغط العمل والصيام”.
وترى حبيب أن تنظيم الوقت يشكل العامل الأكثر أهمية في تخفيف الضغط اليومي، وأن التحضير المسبق لبعض المتطلبات المنزلية قبل الذهاب إلى العمل يساعد في الحد من القلق، كما أن دعم الأسرة يسهم بدرجة كبيرة في تمكين المرأة من التوفيق بين واجباتها المهنية والمنزلية.
وفي القطاع التعليمي تأخذ التحديات شكلاً مختلفاً، إذ تبرز الحاجة إلى الحفاظ على التركيز الذهني والقدرة على التفاعل المستمر مع الطلاب، رغم الصيام والإجهاد، وفق المعلمة دعاء جنيد التي ذكرت أن يومها يبدأ باكراً بالتحضير للمدرسة وتجهيز أولادها، ما يجعل ساعات الصباح الأولى جزءاً أساسياً من ضغط اليوم قبل الوصول إلى مكان العمل.
وتشير جنيد إلى أن التدريس خلال الصيام يحتاج إلى طاقة مضاعفة، لأن مسؤولية المعلم لا تقتصر على الحضور داخل الصف، بل تمتد إلى ضمان إيصال المعلومة بوضوح والمحافظة على تفاعل الطلاب وانتباههم، وهو ما يتطلب جهداً ذهنياً وانفعالياً لا يقل صعوبة عن الجهد الجسدي.
وتربط جنيد القدرة على تجاوز هذه الضغوط بمدى وجود تخطيط يومي واضح يحدد الأولويات ويعيد توزيع الأدوار داخل الأسرة، معتبرة أن السعي إلى الكمال في أداء جميع المهام يفاقم الإحساس بالتقصير والتوتر، في حين أن التركيز على التوازن الواقعي يخفف العبء النفسي ويمنح المرأة مساحة أكبر للاستمرار.
بدورها أشارت مها رسود، العاملة في إحدى الشركات الخاصة، إلى أن بعض الشركات لا تراعي دائماً خصوصية الشهر الفضيل، فتبقى ساعات العمل كما هي، ما يجعل اليوم أكثر طولاً وإرهاقاً، وخصوصاً مع الحاجة إلى العودة للمنزل واستكمال المهام الأسرية دون فاصل زمني كافٍ للراحة.
وحسب رسود فإن التخطيط المسبق وتحضير بعض الأمور المنزلية قبل الذهاب إلى العمل، يساعدان على امتصاص جزء من الضغط، كما أن الإرادة والتنظيم يبقيان عاملين حاسمين في تجاوز الصعوبات اليومية، رغم أن ذلك لا يلغي حجم العبء المتراكم على المرأة العاملة خلال الشهر الكريم.
ولا يقتصر الحديث عن المرأة العاملة في رمضان على وصف مشقة يومية عابرة، بل يفتح الباب أمام قراءة أوسع لدورها داخل الأسرة والمجتمع، ولحجم المسؤوليات التي تتحملها في آن معاً، كما يسلط الضوء على أهمية توفير بيئات عمل أكثر تفهماً، وتعزيز ثقافة المشاركة الأسرية، بما يخفف من العبء المضاعف الذي تتحمله خلال هذا الشهر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك