إذا كانت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، هي أولى التجليات العسكرية الفجة لـ" عقيدة مونرو"، فإنّ صورتها السياسية الأشد خطورة تتجلى بلا ريب في اجتماع الدول الـ12 من أميركا اللاتينية مع الولايات المتحدة في قمة" درع الأميركيتَين" بفلوريدا.
لقاء دبلوماسي، أم مراسم" تسليم مفاتيح" القارة؛ إذ يجري استبدال السيادة الوطنية بـ" عقود إذعان" أمنية، لردع المدّ الصيني؟عام 1823، أطلق جيمس مونرو شعار" الأميركيتان للأميركيين"، والذي قصد من خلاله عزل سيطرة الدول الأوروبية على أميركا الجنوبية وجعلها تحت" حماية" نظيرتها الشمالية.
لتعود فتأخذ بعداً أكثر هجوميّة عام 1904، عندما أضاف الرئيس ثيودور روزفلت" نتيجته" الشهيرة، وهو التعديل الذي منح واشنطن أحقيّة التدخل العسكري لـ" فرض النظام".
ترامب الذي لم يختلف كثيراً عن أسلافه، أضاف لمسته الخاصة، لتصبح" عقيدة مونرو" بذلك ذريعة إضافية لمواجهة المد الصيني وخطر الكارتيلات.
داعياً رؤساء" حديقته الخلفية" لأن يصبحوا وكلاء يمولون استعبادهم بأنفسهم، في عملية إعادة استعمار عسكرية شاملة تستهدف إلغاء أي صوت لا يتردّد صداه في البيت الأبيض.
لم يكن اختيار الدول المشاركة عشوائيًاً؛ فقد جرى استدعاء الأنظمة اليمينية" الصديقة" لترامب، مثل حكومة خافيير مايلي في الأرجنتين، ودانيال نوبوا في الإكوادور، ونايب بوكيلي في السلفادور، بينما استُبعدت الدول اليسارية كالبرازيل والمكسيك وكولومبيا.
مشهدٌ يكاد يكون شبيهاً بما حصل خلال" المفاوضات" الأميركية-الإيرانية، إذ حشدت الولايات المتحدة قواتها بالرغم من اعتناق الدبلوماسية، وشنّت حرباً قبل أن تنهي حتى تلك المفاوضات.
فتحلُّق الرؤساء حول" الإمبراطور" الأميركيّ، لا يخفي حقيقة الوجود العسكري المتنامي في القارة اللاتينية، إذ وجب التّذكير أن الوجود العسكري الأميركي يمتد إلى حشد واسع في منطقة البحر الكاريبي؛ كما لا تزال الولايات المتحدة محتفظة بنحو 15 ألف جندي وعشرات السفن الحربية، كما أعادت واشنطن فتح قواعد عسكرية كانت مغلقة في بورتوريكو، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على نيّات طويلة الأمد.
لكن الحقيقة التي تسترها مدافع" درع الأميركيتين" هي أن الحرب الحقيقية هي ضد التمدد الاقتصادي الصيني الذي بات يهدد الهيمنة التاريخية لواشنطن.
فبينما تحاول أميركا فرض" الدرع العسكري"، أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لغالبية دول القارة؛ إذ قفز حجم التبادل التجاري بين الصين وأميركا اللاتينية إلى أكثر من 500 مليار دولار عام 2024، بالإضافة إلى استثمارات تقدّر بأكثر من 120 مليار دولار في قروض ومشاريع بنية تحتية في المنطقة.
واشنطن تدرك أن 'طريق الحرير' اللاتيني يمر عبر السيطرة على 'مثلث الليثيوم' الذي يضم وحده نحو 60% من احتياطيات العالم من المعدن الأبيض الضروري لصناعات المستقبلكما أن الصين قد لجأت أيضاً إلى تعظيم نفوذها العسكري في أميركا اللاتينية، تنفيذاً لورقتها السياسية حول أميركا اللاتينية والكاريبي عام 2016.
ما انعكس في فنزويلا بشكل كبير، التي باتت تعتمد على المعدات العسكرية الصينية، بينما تشتري الأرجنتين وبوليفيا والإكوادور وبيرو من الصين الطائرات والمركبات الأرضية والرادارات والبنادق الهجومية، فضلاً عن تعاونها العسكري والاستخباراتي مع كوبا، وتوفير تدريبات عسكرية وإمدادات شُرطية للعديد من البلدان في تلك المنطقة، ومن أهمها بوليفيا والإكوادور.
واشنطن تدرك أن" طريق الحرير" اللاتيني يمرّ عبر السيطرة على" مثلث الليثيوم" (الأرجنتين، بوليفيا، شيلي) الذي يضم وحده نحو 60% من احتياطيات العالم من المعدن الأبيض الضروري لصناعات المستقبل الرقمي والسيارات الكهربائية.
التدخل العسكري بذريعة ملاحقة الكارتيلات هو" غطاء أمني" لنهب الموارد وضمان بقاء القارة مخزناً خاماً للصناعة الأميركية.
فالولايات المتحدة لا تسعى لتأمين الحدود بقدر ما تسعى لمنع بكين من الاستحواذ على عقود التعدين والطاقة.
فالتاريخ يخبرنا أن أميركا لم ترد يوماً القضاء على المخدرات، بل أرادت إدارتها.
من" خطة كولومبيا" إلى" مبادرة ميريدا" عام 2008، أثبتت تلك المبادرات أن التركيز على التسليح لم يؤدِ سوى لانفجار وتيرة العنف، بدلاً من تقليص نفوذ العصابات.
في تحليل نشره معهد" تشاتام هاوس"، يفسّر الدكتور كريستوفر ساباتيني، أن هذا التحالف محكوم عليه بالفشل كأشباهه من" المؤسسات الزومبي" السابقة، لأنه لا يعالج الأسباب الجذرية لانعدام الأمن مثل الفقر والفساد، بل يعتمد على صفقات شخصية مع قادة عابرين.
إذ ذكر أنه" لا توجد وعود بمعالجة الأسباب الجذرية لانعدام الأمن والجريمة، والمتمثلة في الفقر، وضعف الدول، والفساد.
بالإضافة لعدم تخصيص أي تمويل لتعزيز التعاون الأمني من خلال المؤسسات الإقليمية القادرة على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وإجراء مناورات مشتركة، واعتراض المخدرات والتدفقات المالية المرتبطة بها.
كما لا توجد خطط متكاملة إقليمياً تتبع التدفقات عبر الحدود للأنشطة غير المشروعة (بما في ذلك المخدرات، ولكن أيضاً الذهب غير القانوني، والأخشاب، والنحاس، وغسيل الأموال، والاتجار بالبشر).
فضلاً عن ذلك، لم يجرِ تقديم أي التزامات لإجراء تحقيقات مستقلة في تورط الحكومات في الفساد".
قد تكون هذه القمة قبراً جديداً في" مقبرة المنظمات" اللاتينية، لكنّ ما هو أكيد أن لعنة الرقم ستطاول 13 رئيساً وضعوا مصير قارّة، خلف درعٍ لن يردع إلّا سيادتها على نفسها، وسيحييها رغماً عنها، مئة عام في عزلة، وتبعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك