لا يزال حادث انهيار مبانٍ في شارع" أوباني" وسط مرسيليا في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، والذي خلّف ثمانية قتلى وعددا كبيرا من المصابين، حاضرا في ذاكرة صوفي كمار، رئيسة بلدية الدائرة الأولى الواقعة قرب ميناء مرسيليا القديم، ولدى غالبية سكان حي" نواي" الشعبي الذي معظم سكانه من المهاجرين المنحدرين من دول شمال أفريقيا.
تجوّلنا في المدينة برفقة رئيسة البلدية للوقوف على أشغال الترميم التي أطلقها تحالف" ربيع مرسيليا" (وهو عبارة عن اتحاد للعديد من الأحزاب اليسارية) بعدما فاز بالانتخابات البلدية في 2020، لينهي سلطة جان كلود غودان من حزب" الجمهوريون"، الذي حكم مرسيليا طيلة 25 عاما.
وقالت صوفي كمار: " لم تكن هيئة الإسكان الاجتماعي في مدينة مرسيليا تبالي بالخطر الذي كانت تمثله المباني القديمة.
وُجّهت لها اتهامات عديدة من قبل الجمعيات وتم إبلاغها بالمخاطر عدة مرات، لكنها لم تتحرك ساكنة إلى غاية وقوع الكارثة".
ولا تزال صور سقوط المباني حاضرة في مخيلة سكان حي" نواي" حيث كان الجميع يركض في جميع الاتجاهات من شدة الخوف والتجار يغلقون محلاتهم خشية أن تسقط المباني فوق رؤوسهم.
" كنت أعتقد أن قنبلة أو صاروخا ما قد أصاب أحد المباني"ويتذكر إسماعيل، وهو بائع خضر في شارع" أوباني" جيدا ذلك اليوم والهلع الذي أصاب المارين والسكان بشكل عام.
وقال لفرانس24: " في البداية كنت أعتقد أن قنبلة أو صاروخا ما قد أصاب أحد المباني.
رأيت جدرانه تتلاشى تدريجيا والأحجار الممتزجة بأشرطة حديدية تتساقط على الأرض.
الغبار غطّى العديد من الشوارع المجاورة.
سكان المبنى كانوا يصرخون من النوافذ ويطلبون المساعدة".
وسكت إسماعيل قليلا ثم أردف: " لحسن الحظ وصلت فرق الإنقاذ بسرعة.
قامت بإجلاء العائلات التي كانت عالقة داخل المبنى وبدأت في مساعدة الضحايا.
لولا تدخل هذه الفرق لأرتفع عدد القتلى".
ولم تكن عمليات ترميم المباني سهلة، وفق صوفي كمار، بسبب العراقيل الإدارية التي واجهت بلدية مرسيليا.
وشرحت: " كان يتوجب أولا تحديد هوية ملاك هذه المنازل والاتصال بهم.
ثم إقناعهم ببيع منازلهم لصالح بلدية مرسيليا التي قررت ترميمها، وفق وصفات معمارية حديثة قبل أن تقوم بتأجيرها في المستقبل بأسعار معتدلة".
فيما ألقت اللوم على عمدة مرسيليا السابق والمتوفى جان كلود غودان، الذي ترك" تجار النوم" يتصرفون كما يشاؤون دون احترام أدنى مقومات السلامة".
لكن منذ 2022، وهو تاريخ انطلاق الأشغال، بدأ حي" نواي" الذي يتواجد فيه شارع" أوباني" تتغير ملامحه تدريجيا ليتحول إلى منطقة شبه سياحية.
ويعود الفضل إلى تحالف" ربيع مرسيليا" الذي عمل جاهدا من أجل تحسين الوضع.
وقالت صوفي كمار، التي كانت نائبة جان لوك ميلنشون في 2017: " عملنا في البداية على إزالة المخاطر وإجراء أعمال صيانة لمنع انهيار مبانٍ أخرى.
بعد ذلك تم إنشاء شركة عامة محلية للتخطيط ذات مصلحة وطنية مخصصة لمكافحة السكن غير اللائق.
ثم دافعنا عن الملف لدى الوكالة الوطنية للتجديد الحضري ونجحنا في الحصول على 100 مليون يورو على مدى عشر سنوات.
هذا المبلغ يسمح بالحفاظ على المباني المرممة وعلى التنوع الاجتماعي ومنع رفع الإيجار، وهو أمر يثير القلق دائما في الأحياء الشعبية".
اقرأ أيضاالانتخابات البلدية الفرنسية: مرسيليا تختبر مستقبل التعايش مع صعود التجمع الوطني المتطرفهذا، وأصبحت مكافحة السكن غير اللائق، التي تقودها الجمعيات وعائلات الضحايا، أحد الشعارات الرئيسية لتحالف" ربيع مرسيليا" الذي يريد الاستمرار بنفس الوتيرة للقضاء نهائيا على البناء الهش والخطير، لا سيما في وسط مدينة مرسيليا على غرار منطقة" لاكانوبيير" وفي الأحياء الشعبية والفقيرة مثل المناطق التي تقع شمال المدينة الساحلية.
المدارس، محور المعركة السياسيةولد تحالف" ربيع مرسيليا" وهو ائتلاف يساري تولى إدارة بلدية المدينة اعتبارا منعام 2020، من غضب شعبي سببه أزمة السكن التي تخنق المدينة والبنايات القديمة التي صارت خطيرة على ساكنها وسوء أوضاع المدارس في العديد من الأحياء.
وبعد ست سنوات، سعى الفريق البلدي إلى إظهار إنجازاته في حملة انتخابية يرى أنها أصبحت" رهينة للنقاشات الوطنية".
وقالت صوفي كمار في هذا الشأن: " أشعر بالغضب لأننا حُرمنا من نقاش بلدي حقيقي في مرسيليا.
لقد أصبحنا نتحدث أكثر عن قضايا وطنية بدل عن المحلية.
والدليل أن حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف يرى في الفوز ببلدية مرسيليا على أنها غنيمة حرب.
أما جان لوك ميلنشون فيريد تصفية حساباته هنا".
وعلى بعد مسافة قصيرة من حي" نواي" الشعبي، التقينا ببيير-ماري غانوزي، المسؤول عن مشروع تجديد المدارس ببلدية مرسيليا.
80 مدرسة ابتدائية وثانوية سيتم تجديدها، وفقه، خلال السنوات العشر القادمة بميزانية تقارب مليارا ونصف يورو.
تجولنا برفقته في موقع أشغال بمدرسة" أبييه" الواقعة في قلب المدينة.
بعد بضعة أشهر من الآن، لن يبقى من المبنى سوى الواجهات الخارجية.
أما في الداخل فسيُعاد تصميم كل شيء وفق خطة تهدف إلى منح راحة أكبر للتلاميذ ومساحات أوسع لتنظيم أنشطة ثقافية ورياضية متعددة، مع أخذ بعين الاعتبار المعايير البيئية الحديثة.
وتحدث بيير-ماري غانوزي بفخر لفرانس24 عن الإنجازات التي حققتها بلدية مرسيليا: " من بين 188 مدرسة عمومية في المدينة، تم تجديد 27 مدرسة بالكامل.
فيما توجد 12 مدرسة أخرى قيد الترميم.
إضافة إلى ذلك، لقد وقعنا على عقود لتجديد 70 مدرسة أخرى في السنوات المقبلة".
لكن هذا المعلم السابق أعرب عن قلقه في حال فاز حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بالانتخابات البلدية في مرسيليا.
" بكل بساطة، سيوقفون هذا المشروع الضخم لأنهم لا يهتمون بالأحياء الشعبية.
سيركزون جهودهم على الأحياء الغنية فقط".
سباق انتخابي محتدم في مرسيليايسود في أوساط تحالف" ربيع مرسيليا" قلق بالغ من فوز التجمع الوطني، خاصة وأن استطلاعات الرأي تظهر تقاربا كبيرا في النتائج بين بونوا بايان، مرشح التحالف، وفرانك ألسيو، ممثل حزب التجمع الوطني.
هذا الأخير صرح لفرانس24 بأنه يريد" فرض نظام جديد في مرسيليا واسترجاع الأمن المفقود عبر توظيف ألف شرطي جديد خلال عهدته الانتخابية".
كما وعد أيضا بتكثيف كاميرات المراقبة في الشوارع وفرض قيود أمنية صارمة.
وتشير استطلاعات الرأي إلى حصول تحالف" ربيع مرسيليا" على 35 بالمئة من الأصوات في الجولة الأولى المقررة الأحد مقابل 32 بالمئة لصالح حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف.
بينما يتوقع أن تأتي قائمة مارتين فاسال المدعومة من حزبي الجمهوريون والنهضة في المرتبة الثالثة بـ18 بالمئة يليها حزب فرنسا الأبية بقيادة دولوغلو بـ13 بالمئة.
وفي حال رفض ممثل حزب فرنسا الأبية التنحي في الجولة الثانية، فهناك حظوظ كبيرة أن يظفر التجمع الوطني بثاني أكبر مدينة فرنسية بعد باريس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك