فى الأجواء الروحانية لشهر رمضان المبارك، ومع حلول العشر الأواخر منه، نستحضر صفحات مضيئة من تاريخ المسلمين الأوائل، حين لم ينتشر الإسلام فى الكثير من بقاع العالم بالقوة، كما يروّج بعض المستشرقين، بل انتشر بفضل أخلاق التجار المسلمين الذين جسّدوا قيم الصدق والأمانة والتسامح وحُسن المعاملة، فكانت أخلاقهم أعظم دعوة إلى هذا الدين، وأبلغ رسالة تعكس جوهره القائم على العدل والرحمة.
تذكّرت ذلك بسبب النقاش الدائر مؤخراً حول سُبل ضبط الأسواق ومواجهة الممارسات الاحتكارية والتلاعب بالأسعار، من بعض التجار الذين لم ينتهزوا فرصة شهر رمضان للتوبة، بل انتهزوا اشتعال الحرب الدائرة بين إيران وأمريكا وإسرائيل فى الخليج، ليُشعلوا الأسعار ويربحوا الدنيا وينسوا الآخرة.
وفى هذا السياق، جاءت تصريحات السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى بدراسة إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكرى فى وقتها، لضرب كل من يحاول أن يستغل المواطنين ويُشعل الأسعار.
وقد أثارت هذه التصريحات اهتماماً واسعاً فى كل الأوساط، باعتبارها إشارة واضحة إلى رغبة الدولة فى التعامل بحزم مع محاولات استغلال الظروف الاقتصادية ورفع الأسعار بصورة غير مبرّرة على حساب المواطنين.
وحقيقة الأمر أن الأسواق المصرية، مثل غيرها من الأسواق فى أوقات الأزمات الاقتصادية العالمية، قد تشهد أحياناً ممارسات غير منضبطة من بعض التجار الذين يستغلون التقلبات فى أسعار السلع أو اضطرابات سلاسل الإمداد، لتحقيق أرباح مبالغ فيها.
وتشير بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن معدل التضخم السنوى فى مصر تراجع إلى نحو 10.
1% فى يناير 2026، بعد أن كان أعلى خلال الفترات السابقة، وهو ما يعكس تحسّناً نسبياً فى وتيرة ارتفاع الأسعار، لكنه لا يلغى الحاجة إلى رقابة صارمة على الأسواق لمنع أى تلاعب أو ممارسات احتكارية.
وفى مثل هذه الحالات قد لا تكون العقوبات التقليدية كافية لردع هذه الظاهرة، مما يدفع إلى التفكير فى آليات أكثر صرامة لضبط الأسواق، حيث إن اللجوء إلى القضاء العسكرى فى بعض القضايا يُحقّق عنصر السرعة فى الفصل، وهو ما قد يُمثل عامل ردع قوياً ضد من تسول له نفسه التلاعب بالأسعار أو تخزين السلع بغرض الاحتكار.
كما أن هذا النظام القضائى يتميز بإجراءات حاسمة وسريعة، الأمر الذى قد يُسهم فى إعادة الانضباط إلى الأسواق فى وقت قصير.
ويشير بعض القانونيين إلى أن إحالة المدنيين إلى القضاء العسكرى تخضع لضوابط محدّدة وفقاً لقانون القضاء العسكرى رقم 25 لسنة 1966 وتعديلاته، حيث يقتصر ذلك عادة على القضايا التى تمس الأمن القومى أو ترتبط بالمؤسسات العسكرية.
ومن ثم فإن توسيع نطاق هذا المسار ليشمل بعض الجرائم الاقتصادية يفتح نقاشاً قانونياً حول حدود استخدامه وطبيعته الاستثنائية.
ومع ذلك، فإن الرسالة السياسية وراء طرح هذا المقترح تبدو واضحة، وهى أن الدولة لن تتهاون مع أى ممارسات تستهدف استغلال المواطنين أو تعميق الأعباء المعيشية عليهم، خصوصاً فى ظل التوترات الإقليمية والضغوط الاقتصادية العالمية التى قد تنعكس على تكاليف النقل والطاقة وسلاسل الإمداد.
فى النهاية، يبقى نجاح أى إجراء مرهوناً بقدرته على تحقيق التوازن بين الردع الفعّال وحماية قواعد العدالة القانونية.
فإذا أسهمت الإجراءات المقترحة فى وقف جشع بعض التجار وإعادة الانضباط للأسواق دون المساس بضمانات العدالة، فقد يشعر المواطن بثمارها سريعاً فى صورة أسعار أكثر استقراراً وسوق أكثر عدلاً.
أما إذا اقتصر الأمر على الإجراءات العقابية دون إصلاحات أوسع فى منظومة السوق والرقابة، فقد يظل تأثيرها محدوداً.
وهكذا يظل الهدف الأسمى هو تحقيق سوق عادلة تقوم على القيم نفسها التى رسخها التجار المسلمون الأوائل: الصدق، والأمانة، واحترام حق الإنسان فى العيش الكريم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك