ترددت، فأوشكت على أن أعطي لهذا المقال عنوان «دولة ترامب العميقة»، لكنني تريثت.
تريثت لأن «مجرة» ترامب، تلك التي تروج للتحرر المنعتق من ربقة القيود الاقتصادية، التي تفرضها الدولة – الضرائب فوق كل اعتبار- لا تحب الدولة.
ولكي نكون واضحين، هي تدعو إلى تدميرها.
في مجرة ترامب، مجرة «الماغا» (أنصار ترامب الذين تلقفوا شعار «فلنجعل أمريكا عظيمة من جديد» (Make America Great Again) لا شيء يعلو على المبادرة الخاصة.
لكن لا يغترن مغتر، فـ»المبادرة الخاصة» في هذا المجال، لا يقتصر تعريفها على الدوغما الليبرالية، التي اعتدنا أن نتعامل معها في مجتمعاتنا الأوروبية.
فالمبادرة الخاصة لدى»الماغا» معتقد وحياة، ما يعني أن كل مبادرة من جرائها أن تفجر واقعاً يضرب «النظام» في الصميم، مبادرة مرحب بها.
كل مبادرة، بما فيها تقويض الأنظمة الأخرى.
هنا طبعا، سيهلل كثيرون في حال سقوط نظام الملالي الديكتاتوري، لكن السؤال «ماذا بعد»؟ وهنا نعلم جيدا أن سؤال «ماذا بعد» يكاد يمثل العمود الفقري لكل ردود الأفعال الدولية، إزاء أي تدخل أمريكي خارجي، خاصة مع هذه الإدارة أكثر من أي وقت مضى.
هنا، يكفي تذكر المشهد الأفغاني، للتأكد من أن إدارة ترامب إدارة انعزالية في الأساس، والانعزالية الأطلنطية من ثوابت العقيدة السياسية الأمريكية، خاصة عندما نضعها في إطارها الاقتصادي، الذي يترك جانبا كل ما لا علاقة له بالدبلوماسية الاقتصادية، وهنا المفارقة.
مفارقة تكريس تدخل خارجي جديد على نمط التدخلات الأمريكية السابقة التي كثيرا ما باءت بالفشل السياسي، ومواجهة رأي عام محلي يعارض بنسبة 60% هذا التدخل، لكن المفارقة ظاهرة فقط، لأن الانعزالية في التصور الأمريكي لا تعني بالضرورة توقيف التدخلات.
عوض ترامب نقص لغة المصطلحات بقوة لغة النفوذ، ولغة النفوذ التي يستخدمها، تسمح له بقلب الأمور بطريقة تحول، في النهاية، المقلوب إلى نظام تحكمه العشوائية في الظاهر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك