جاء تأثير الحرب على إيران على أسواق المال والطاقة سلبيا، مع التركيز على متغيرين أساسيين يحكمان تفاعل الأسواق مع الأزمات الجيوسياسية، وهما عامل الزمن ومستوى عدم اليقين وحتى الآن، يتسم رد فعل الأسواق المالية بقدر من الهدوء النسبي والاتزان؛ إذ لم تشهد الأسواق المالية الكبرى اضطرابات حادة، كما ظلت أسعار الفائدة وأسواق الائتمان وسوق الصرف الأجنبي مستقرة إلى حدٍ كبير.
و في المقابل، كان تأثير الأزمة أكثر وضوحًا في أسواق الطاقة؛ فقد ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بشكل ملحوظ نتيجة تعطل بعض منشآت المعالجة في منطقة الخليج، كما تجاوزت أسعار النفط لفترة وجيزة حاجز المائة دولار للبرميل.
كذلك تباطأت حركة الشحن من وإلى مضيق هرمز بشكلٍ لافت؛ ما يعكس حساسية أسواق الطاقة لأي اضطراب في طرق الإمداد.
ومع ذلك، فإن التنبؤ الدقيق باتجاهات الأسواق في مثل هذه الظروف يظل أمرًا بالغ الصعوبة، ومن غير الحكمة تقديم تقديرات قاطعة.
لذا يقترح التركيز على متغيرين رئيسيين يلعبان دورًا محوريًا في تأثير المخاطر الجيوسياسية في الأسواق المالية، وهما" الزمن" و" عدم اليقين".
المتغير الأول" عامل الزمن": على المدى القصير، يتسم الطلب على الطاقة بقدر من عدم المرونة، ما يعني أن الأسواق تميل عند حدوث اضطرابات في سلاسل الإمداد إلى التركيز بشكل أكبر على قيود العرض بدلًا من تراجع الطلب.
وإذا استمرت هذه الاضطرابات لفترة أطول، فقد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة معدلات التضخم، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسات النقدية.
وقد ينعكس ذلك بدوره على أسعار الفائدة وسعر صرف العملات ومعدلات النمو الاقتصادي؛ ما يسمح بانتقال أثر الاضطراب الجيوسياسي من أسواق الطاقة إلى الاقتصاد العالمي الأوسع.
أما المتغير الثاني" مستوى عدم اليقين": غالبًا ما تستطيع الأسواق المالية استيعاب الصدمات الكبيرة عندما يكون المسار الاستراتيجي للأحداث واضحًا نسبيًا.
لكن الغموض يظل العامل الأكثر إرباكًا للأسواق؛ فعندما يفتقر المستثمرون إلى رؤية واضحة لمسار الصراع أو احتمالات تصعيده، تتسع دائرة السيناريوهات المحتملة، مثل احتمال تعطل الملاحة في مضيق هرمز، أو تصاعد المواجهات العسكرية، أو اضطراب سلاسل التوريد العالمية، أو اتساع نطاق عدم الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فضلًا عن احتمالات حدوث اضطرابات اجتماعية أو مدنية على نطاق أوسع.
وبناءً على ذلك، يقدم هذان المتغيران إطارًا مناسبًا لفهم سلوك الأسواق حاليًا، حيث يجري في الواقع إعادة تسعير للمخاطر الجيوسياسية طويلة الأجل؛ فالأسواق لا تتفاعل فقط مع الخسائر الاقتصادية المباشرة، بل تستجيب أيضًا لقيمة عدم اليقين المرتبطة بمستقبل الأحداث.
وفيما يتعلق بدور صناع السياسات العامة في الحد من الآثار السلبية على أسواق المال والطاقة، هناك مساران رئيسان:- أولهما، تقليص مدة الاضطراب؛ فإذا صحّ تقييم الرئيس الأمريكي" دونالد ترامب" بشأن احتمال" اقتراب الصراع من نهايته"، فإن ذلك قد يقلل من المدة المتوقعة للنزاع.
وبلغة الأسواق، يؤدي تقصير أفق المخاطر الجيوسياسية إلى خفض التأمين الذي يطلبه المستثمرين مقابل تحمّل تلك المخاطر.
- وثانيهما، يتمثل في تقليص حالة عدم اليقين عبر تقديم إطار استراتيجي واضح؛ فعندما توفر الحكومات رؤية موثوقة بشأن أهدافها، وحدود التصعيد، وآليات خفض التوتر، فإن ذلك يساهم في تقليل مستوى التقلب الذي تعكسه أسعار الأصول في الأسواق.
إن الأسواق المالية لا تتفاعل فقط مع الصدمة المباشرة للنزاعات، بل تقيم أيضًا مدتها ودرجة الغموض المحيطة بها.
ومن ثم، فإن فهم كيفية تفاعل عاملي الزمن وعدم اليقين يوفر إطارًا مهمًا لتفسير سلوك الأسواق، كما يوضح كيف يمكن للقرارات السياسية أن تؤثر في التكلفة الاقتصادية والمالية للمخاطر الجيوسياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك