كيف تحد الدول من تأثير الأزمات على استقرارها، بما ذلك الحرب الطائشة الدائرة في خليجنا العربي؟إجابة بطون الكتب تقول إن تملك المرونة والقدرة على التكيُف (resilience) مع التحديات تخفيفاً من المخاطر ومناورة المكائد.
فذلك يمنح الدولة القدرة على الاستيعاب وامتصاص الأزمة بما يمكنها من تحصين مجتمعها (والاقتصاد جزء منه) بالحفاظ على الاستقرار والاطمئنان.
كيف وظفت السعودية مرونتها الاقتصادية واللوجستية وامكاناتها الجغرافية باقتدار رغم أن منطقتنا في عين العاصفة بسبب حرب أميركا و “إسرائيل” على إيران، وهجمات إيران بالصواريخ والمسيرات على دول مجلس التعاون جميعاً دونما استثناء؟اهتمام السعودية أولاً وقبل أي شيء هو باستقرار المنطقة، واستقرار الاقتصاد العالمي بالحفاظ على استمرار امدادات النفط.
كيف؟1.
فيما يتصل باستقرار خليجنا العربي، وعلى عكس ما يُراد للحرب الدائرة بين أميركا و “اسرائيل” وإيران، من حشر دول مجلس التعاون فيها، فقد تحركت السعودية استراتيجياً ففتحت ابوابها وما تختزنه من امكانات لتكون عمقاً خليجياً يفك الاختناقات والتعطيلات التي ولدتها الحرب، كما كان الحال دوماً.
2.
فيما يتصل بالنفط، وعلى عكس النظرة القاصرة لمن يفكروا بانتهازية عند ارتفاع اسعار النفط بسبب الحروب والأزمات، فالسعودية، باعتبار دورها القيادي في عالم الطاقة واقتصادياته، تسعى - كما هو الحال دائماً - لدعم استقرار الاقتصاد العالمي عبر الحفاظ على تواصل الامدادات، وفكرت ودبرت واستثمرت مبكراً في خيارات نقل بديلة، فأتاحت للعالم منظومتها اللوجستية الفريدة لتجنب العالم الاخطار الجيو-اقتصادية في حال تأثر امدادات النفط، فأتاحت خطاً ناقلاً (شرق-غرب) للنفط من منابعه على الخليج العربي إلى البحر الأحمر، وأتاحت ميناءها العملاق (ميناء ينبع الصناعي والتجاري)، وهو ليس كأي ميناء بل مجهز بسعة عالمية المستوى:* الطاقة الاستيعابية: يُصنف ميناء الملك فهد الصناعي كأعلى موانئ السعودية طاقة تشغيلية بـ 210 ملايين طن، فيما تبلغ قدرة الميناء التجاري 13.
5 مليون طن.
* تصدير النفط والطاقة: يعد الميناء أكبر ميناء لتحميل الزيت الخام والمنتجات المكررة والبتروكيماويات على البحر الأحمر.
* عملياً، وفي ظل الحرب الدائرة ارتفعت صادرات الميناء في مارس 2026 إلى 3 أضعاف المعدل المعتاد.
* استقبال السفن العملاقة: أرصفة الميناء مجهزة بأعماق تصل إلى 18 متراً، ما يسمح باستقبال سفن ذات غاطس 16.
5 متراً وأضخم ناقلات النفط (VLCC).
* الموقع الاستراتيجي حيث يتوسط الخط البحري بين أميركا وأوروبا شمالاً (عبر قناة السويس) والشرق الأقصى جنوباً (عبر باب المندب).
* القدرة التجارية: ولا يقتصر الأمر فقط على تصدير النفط والبتروكيماويات، فكذلك هناك شق تجاري للاستيراد والتصدير بما في ذلك استيراد احتياجات السعودية وبلدان مجلس التعاون من الضروريات، وهذا أمر ضروري للحفاظ على استقرار الأسعار والحد من تأثر الأنشطة الاقتصادية عموماً، وهنا يأتي دور ميناء ينبع التجاري، فهو بوابة رئيسة لمنطقة المدينة المنورة، ويسجل معدلات مناولة عالية للبضائع العامة والسلع.
إذن، امتلاك السعودية للمرونة لم يأت مصادفةً، بل مقابل تدبير مسبق واستثمار امتد لسنوات، ما مكن السعودية من مَدّ جسور التلاحم اللوجستي بحماسٍ ناجز بما جير المرونة التي تمتلكها السعودية لشقيقاتها في دول مجلس التعاون، بل وللعالم، فغدت وكأن كل دولةٍ من دول مجلس التعاون قد امتدت شمالاً وغرباً وجنوباً بقدر امتداد الجغرافيا السعودية.
عندما تحل الأزمات فالمرونة تعني كل شيء للتسلح بالقدرة على تحمل الهزات واستيعاب الأزمات والحفاظ على التوازن والاستقرار، لكن كيف تكتسب المرونة؟ إن توفر البنية التحية ذات الجهوزية العالية لا يأتي عفو الخاطر، فقد استثمرت السعودية ما يزيد عن 100 مليار دولار لتطوير منظومتها اللوجستية منذ إطلاق رؤية 2030 في العام 2016، كما كان سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قد أطلق في منتصف العام 2021 الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية التي تستهدف ضخ استثمارات إجمالية تتجاوز تريليون ريال سعودي بحلول العام 2030، أُنفِق منها حتى الآن نحو 200 مليار ريال.
وبالقطع فللمرونة مكونات بالإضافة إلى تجهيزات البنية التحتية والشبكات اللوجستية والإمكانات التخطيطية والإدارية، فلا يمكن أن يغيب الفسحة المالية التي تمتلكها السعودية ارتكازاً إلى احتياطاتها وسعيها لتحقيق الاستدامة المالية عبر تنمية إيراداتها غير النفطية ودفعها - بلا كلل - لتنويع الاقتصاد بتنمية مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد المحلي.
ورغم أن الحرب الدائرة بين أميركا و “إسرائيل” من جانب وإيران من جانب، قد فرضت خيمة سوداء قاتمة عدائية على منطقتنا الخليجية، إلا أن إدارة السعودية للتحدي باقتدار تناوله تأكيد وكالة ستاندرد آند بورز تصنيف السعودية عندA+/A-1 (طويل الأجل/ قصير الأجل، بالعملة الأجنبية والمحلية) مع نظرة مستقبلية مستقرة ( صدر في 13 مارس 2026)، حيث تركز أساساً على قدرة المملكة على تحمل الصراع الإقليمي الجاري في الشرق الأوسط، بما في ذلك التوترات المتصاعدة، مثل إغلاق مضيق هرمز جزئياً وتأثيراته على أسعار النفط والإمدادات).
وطلباً للتحديد، فقد أسندت الوكالة تقريرها على النقاط التالية:1.
المرونة العالية في السياسات والاقتصاد القوي: تمكن السعودية من مواجهة التحديات الجيوسياسية دون تأثير مادي كبير على التصنيف الائتماني.
2.
القدرة على تحويل صادرات النفط عبر خط الأنابيب الشرق-غرب (East-West pipeline) لتوجيه الصادرات إلى البحر الأحمر، ما يتجاوز المخاطر في مضيق هرمز أو مناطق أخرى معرضة للتهديدات.
3.
سعة تخزين النفط الكبيرة: تساعد في تخفيف تأثيرات الاضطرابات في الإمدادات العالمية.
4.
إمكان زيادة الإنتاج: بعد تهدئة الصراع، يمكن للسعودية رفع الإنتاج بسرعة لتعويض أي نقص.
5.
استمرار زخم النمو غير النفطي: يدعم الحراك الاقتصادي نمو القطاع غير النفطي واستمرار الإيرادات غير النفطية القوية.
6.
لمرونة في استثمارات رؤية 2030: تسمح بإعادة ترتيب الأولويات لدعم المسار الاقتصادي والمالي.
7.
توقعات النمو المتوسطة الأجل الإيجابية: توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.
4 % في 2026 ومتوسط 3.
3 % خلال 2027 - 2029، مدفوعاً بالقطاع غير النفطي.
8.
تحسن في العجز المالي: عجز الميزانية المتوقع ينخفض إلى نحو -5.
5 % من الناتج المحلي في 2026، مدعوماً بإيرادات نفطية وغير نفطية مرنة.
في المحصلة، فتأكيد “النظرة المستقرة” تعكس ثقة الوكالة بأن السعودية قادرة على امتصاص تداعيات الحرب الدائرة حالياً دون تدهور ملحوظ في ملفها الائتماني، بفضل: مرونتها والمالية واللوجستية، وتكامل منظومة الطاقة ومنظور تخطيطها الاستراتيجي بعيد المدى، والتقدم الذي أحرزه التنويع الاقتصادي (رؤية 2030).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك