بقلم الدكتور محمود الهواريالأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلاميةتُعدّ معرفة الله تعالى أعظم ما يسعى إليه المؤمن، فهي أصل الإيمان وروح العبادة، وبقدر ما يعرف العبد ربَّه بأسمائه وصفاته وأفعاله يكون قربه منه وخشيته له ومحبتُه إياه.
ومعرفة الله ليست أمرًا فطريًا ثابتًا فحسب بل تحتاج إلى وسائل عملية تغذيها وتعمّقها في القلب والعقل.
وقد دلّ القرآن الكريم والسنة النبوية على وسائل واضحة تعين المسلم على تعميق معرفته بربه، وتثبيت الإيمان في قلبه.
ومن اول وأهم الوسائل لمعرفة الله أن يقرأ الإنسان كتابه؛ فالقرآن هو أعظم مصدر لمعرفة الله؛ لأنه كلامه المنزل الذي عرّف فيه بنفسه لعباده.
ففيه بيان أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وأفعاله في خلقه، وسننه في الكون، قال الله تعالى في سورة محمد: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (24).
فالتدبر هو مفتاح الانتفاع بالقرآن، وهو طريق مباشر لتعميق معرفة الله.
كما قال تعالى في سورة ص: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (29).
فالهدف من إنزال القرآن أن يتفكر الناس في معانيه، ومن أعظم معانيه التعرف على الله تعالى.
وقد كان محمد ﷺ إذا مرّ بآية رحمة سأل الله من فضله، وإذا مرّ بآية عذاب استعاذ بالله، كما ثبت في صحيح مسلم.
وهذا يبين أن تدبر القرآن ليس قراءة ألفاظ فحسب، بل تفاعل حيّ مع معانيه، مما يعمّق صلة العبد بربه.
وقد عرفنا الله على نفسه في كثير من الآيات ومن أجمعها الآيات الأواخر من سورة الحشر حين عدد بعض أسمائه الحسنى، فضلا عما يكلأ جنبات القرآن من أسمائه وصفاته وآلائه ونعمائه.
ثم إن معرفة أسماء الله وصفاته ليست معرفة نظرية ولا عدا حسابيا، بل معرفة للتفكر والتدبر في أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وفهم معانيها والعمل بمقتضاها.
قال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (180).
فالدعاء بأسمائه يتطلب معرفتها وفهمها.
فإذا علم العبد أن الله هو الرحمن الرحيم ازداد رجاءً، وإذا علم أنه العزيز الحكيم ازداد تعظيمًا وخشيةً، وإذا علم أنه السميع البصير راقب أقواله وأفعاله.
وقد قال النبي ﷺ: «إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة» (متفق عليه).
وإحصاؤها ليس مجرد عدّها، بل فهمها والعمل بها.
ومن وسائل معرفة الله الصادقة أن تذكره بما عرفت عنه من أسماء وصفات، والذكر حياة القلوب، وبه تقوى الصلة بالله.
قال الله تعالى في سورة الرعد: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (28).
فكلما أكثر العبد من ذكر الله استحضر عظمته وقربه، فتعمّقت معرفته به.
كما قال تعالى في سورة الأحزاب:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (41).
فالذكر الكثير يدل على دوام الصلة بالله.
ومن السنة، أن النبي ﷺ قال: «سبق المفردون»، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات» (رواه مسلم).
فالذكر المتواصل يرسخ معاني الإيمان في القلب ويجعله أكثر وعيًا بعظمة الله.
ومن وسائل معرفة الله التأمل في الكون الواسع، فهذا من أعظم ما يزيد الإيمان ويعمّق معرفة الله.
قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (190).
ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا… وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (191).
فجمعوا بين الذكر والتفكر، فازدادوا معرفةً بربهم.
وقد حثّ النبي ﷺ على التفكر في مخلوقات الله، فقد ورد عنه في هذه الآيات: ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتدبر فيها، أو كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم.
فالتأمل في النظام الدقيق للكون يقود إلى إدراك عظمة الخالق وحكمته.
ومن الوسائل القوية والمؤثرة فعلا في معرفة العبد بربه صحبة الصالحين وطلب العلم الشرعي، فهذا من أعظم الوسائل لمعرفة الله على بصيرة.
قال الله تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (28).
فكلما ازداد الإنسان علمًا بالله ازداد خشيةً له.
كما أن صحبة الصالحين تعين على الثبات وتقوي الإيمان.
قال تعالى في سورة الكهف: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (28).
فالمجالس الإيمانية تذكّر بالله، وتعمّق معرفته في القلوب.
وينبغي أن يفهم العبد الصادق أن تعميق معرفة الله يحتاج إلى جهدٍ عملي دائم مما أشرنا إليه من تدبر القرآن، والتأمل في أسمائه وصفاته، وكثرة الذكر والدعاء، والتفكر في خلقه، والمحافظة على الطاعات، وطلب العلم وصحبة الأخيار.
وكلما سلك العبد هذه الوسائل بإخلاص، ازداد قربًا من ربه، وامتلأ قلبه بمحبة الله وخشيته ورجائه.
فمعرفة الله ليست محطةً يصل إليها الإنسان ثم يقف، بل هي رحلة عمرٍ تتجدد كل يوم، وكل خطوة فيها تزيد القلب نورًا، والنفس طمأنينة، والحياة بركةً وسعادة في الدنيا والآخرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك