في تصريح جريء على شاشة Medi 1 TV، قالت المؤلفة والسيناريست" بشرى ملاك" خلال لقاء مع الصحافي نوفل العوالمة، أنها غير راضية على الجزء الثاني من مسلسلها" رحمة" الذي يعرض على قناة “إم بي سي 5” في رمضان الجاري، كما أوضحت أن السيناريو تعرض للتغيير بنسبة 70 في المائة ولم يحافظ بعد عرضه على الشاشة، سوى على 30 في المائة مما تضمنه السيناريو الأصلي.
تصريح كهذا يضع النقاش الدائر كل رمضان، حول ما يسمى أزمة السيناريو أمام أسئلة محرجة، فكلما حل الموسم الرمضاني، تعود نفس الجمل والأحكام الجاهزة:" المشكلة في النصوص، والسيناريو ضعيف، والكتابة تعاني والمؤلفون فاشلون وغير محترفين والمغرب لا يوجد به سيناريست متمكن".
لكن إذا كان العمل الذي كتبه السيناريست، لا يصل إلى الشاشة إلا بعد أن يفقد سبعين في المائة من مضمونه، فكيف يمكن الحكم على السيناريو والسيناريست بعدل وتجرد ومصداقية! ؟
وفي هذه الحالة يغدو الأمر وكأن القاضي يحاكم متهما بريئا، ويعاقبه على جرم لم يرتكبه بالدليل القاطع، إذ في هذه النازلة يمكن العودة لما كتبته السيناربست بشرى ملاك، لمقارنته بما تم عرضه على الشاشة.
من زمن طويل.
كثير من الأعمال التي تعرض خلال موسم رمضان تثير النقاش نفسه.
حبكات متقطعة، شخصيات تتغير ملامحها فجأة، وحوارات تبدو وكأنها كتبت في آخر لحظة.
غير أن ما كشفه تصريح بشرى ملاك يعيد توجيه السؤال إلى مكان آخر.
المشكل ليس دائما في السيناريو، بل فيما يحدث للسيناريو بعد خروجه من يد المؤلف.
في كواليس الإنتاج التلفزيوني تبدأ عادة رحلة التعديل.
أولا عند منفذ الإنتاج الذي يتعامل مع النص باعتباره مادة قابلة للتكييف مع حسابات الميزانية وظروف التصوير.
ثم يأتي دور المخرج الذي يجد نفسه في كثير من الأحيان يعيد ترتيب المشاهد أو تعديل مسارات الشخصيات أثناء التنفيذ.
وهكذا يتحول السيناريو تدريجيا من نص مؤسس للعمل إلى مجرد اقتراح أولي.
النتيجة تظهر مباشرة على الشاشة.
نص كتب بمنطق درامي معين يتحول إلى بناء مختلف تماما، فتضيع العلاقات بين الشخصيات وتتغير الإيقاعات السردية، ويخرج العمل في صورة تبدو بعيدة عن الفكرة التي كتبها المؤلف في البداية.
تصريح بشرى ملاك لا يتعلق فقط بمسلسل واحد، بل يكشف آلية عمل كاملة داخل صناعة الدراما التلفزيونية.
فعندما يصل إلى الشاشة ثلاثون في المائة فقط من النص الاصلي، فنحن في الحقيقة لا نشاهد سيناريو المؤلف، بل نشاهد نسخة هجينة شارك في تشكيلها أكثر من طرف خلال مراحل الإنتاج.
وهنا يصبح الحديث المتكرر كل رمضان عن أزمة السيناريو نوعا من تبسيط المشكلة.
لأن الأزمة الحقيقية قد تكون ببساطة في أزمة احترام السيناريو.
الكتابة ليست الحلقة الأضعف دائما.
أحيانا تكون الحلقة الأكثر تعرضا للتعديل والتفكيك قبل أن تصل إلى المشاهد.
ولهذا يظل السؤال الذي يطرحه التصريح الجريء للسيناريست بشرى ملاك على شاشة Medi 1 TV أكثر إزعاجا من كل النقاشات الموسمية الفارغة التي تدور في حلقة مفرغة وتحجب الشمس بالغربال.
إذا كان السيناريو يكتب كاملا، ثم لا يصل منه إلى الشاشة سوى ثلاثين في المائة، فمن هو المؤلف الحقيقي لما نشاهده كل رمضان! ؟
ومن يتحمل فشل الدراما المغربية! ؟
ومن المسؤول عن إعادة الأمور إلى نصابها! ؟
ومن يدافع عن حقوق المؤلف من ( مخالفة التحريف وتغيير معالم القصة ) أمام المنتج المنفذ والمخرج! ؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك