مد عرفان بصره إلى عينىّ سرحان فوجدهما شاردتين، بينما تهتز شفتاه بكلمات لا يسمعها أحد غير الله، ابتسم، وسأله:- ماذا كنت تقول يا صاحبى؟امتلأت عينا سرحان بامتنان عجيب، وقال:- كنت أردد أشعاراً أحبها لإبراهيم الخواص.
- له أشعار كثيرة، فأيها تقصد؟«أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر.
أنا جائع أنا ضائع أنا عارىهى ستة أنا الضمين لنصفها.
فكن الضمين لنصفها يا بارىمدحى لغيرك لهب نار خضتها.
فأجر عبيدك من لهيب النار».
- هذا رجل من بيت فاض فيه الصلاح والورع، ولم يقل فيه النساء ورعاً عن الرجال.
رفع سرحان عينين تسكنهما الدهشة، وسأل:- أى نسوة ساوين رجال هذا البيت؟- له أخت من أمه تدعى ميمونة، لا يذكر مؤرخو أهل التصوف شيئاً عن أبيها، إنما لها مع أخيها ما لم يكن بوسعهم تجاهله.
- دخل عليها أخوها إبراهيم ذات يوم فراح يشكو لها قائلاً: إنى اليوم ضيق الصدر، فنظرت إليه وقالت: من ضاق قلبه ضاقت عليه الدنيا بما فيها، ألا ترى قول الله عز وجل: (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) لقد كان لهم فى الأرض متسع، ولكن لـمّا ضاقت عليهم أنفسهم ضاقت عليهم بما فيها الأرض.
- أقالت هذا لأخيها، وهو الذى يراه أهل زمانه من الأولياء، ولم تجفل أو تتردد؟- لا، فقد كانت لا تخشى فيما تراه من قبيل الصواب والحق أى ملامة، فحتى زوجها واجهته حين رأته يفرط فى سُنة، وهو الذى كان صاحب أخيها.
- هذه واقعة يرويها إبراهيم الخواص نفسه، حيث قال: قالت لى أختى وكانت تحت حامد الأسود ما احتشمت من زوجى حامد بعد ما رأيته يدخل المسجد ويقعد ولا يصلى تحية المسجد.
وهناك من يتذكر ما قالته نصاً فى هذا الموقف وهو ««يا حامد، أما تستحى من الله؟ ! تدخل بيت ملك من الملوك ولا تحييه بركعتين؟ ».
- أتذكر أن حامد الأسود هذا له موقف يروى مع إبراهيم الخواص.
قال سرحان.
- نعم، هو موقف يحدثنا عنه حامد نفسه، حيث قال: «كان إبراهيم إذا أراد سفراً لم يحدث به أحداً ولم يذكره وإنما يأخذ ركوته ويمشى.
فبينما نحن معه فى مسجده تناول ركوته ومشى فاتبعته فلم يكلمنى حتى وافينا الكوفة فأقام بها يومه وليلته، ثم خرج نحو القادسية، فلمّا وافاها قال لى: يا حامد إلى أين؟ قلت: يا سيدى! خرجت بخروجك قال: أنا أريد مكة إن شاء الله! قلت وأنا إن شاء الله أريد مكة فمشينا يومنا وليلتنا.
فلمّا كان بعد أيام إذا شاب قد انضم إلينا فى بعض الطريق فمشى يوماً وليلة لا يسجد لله عز وجل سجدة، فعرَّفت إبراهيم، وقلت: إن هذا الغلام لا يصلى.
فجلس وقال له: يا غلام! ما لك لا تصلى والصلاة أوجب عليك من الحج؟ فقال: يا شيخ! ما علىّ صلاة قال: ألست برجل مسلم؟ قال: لا.
قال: أى شىء أنت؟ قال: نصرانى ولكن إشارتى فى النصرانية إلى التوكل وادعت نفسى أنها قد أحكمت حال التوكل فلم أصدقها فيما ادعت حتى أخرجتها إلى هذه الفلاة التى ليس فيها موجود غير المعبود، أثير ساكنى، وأمتحن خاطرى».
- معنى هذا أن حامد كان حريصاً على الصلاة، ومع هذا لامته زوجته على إهمال تحية المسجد.
- لم يكن متوقعاً غير هذا من امرأة عابدة زاهدة، سلكت مسلك أخيها إبراهيم فى الإخلاص والورع، والتوكل على الله حق التوكل، والزهد والتقشف.
- وهل لديك ما يدل على هذا؟ سأل سرحان.
- دق طارق بيت أخيها إبراهيم يطلبه، ولم يكن موجوداً، فلمّا فتحت هى له، وأخبرته بغيابه، سألها: متى يعود، فقالت له: من روحه بيد غيره من يعلم متى يرجع؟ !- كانت تُفرق بين حال وحال.
- سمعها الناس تصف ابنها أبو عبدالله بأنه ليس بصوفى، وإنما هو رجل صالح.
أما عن أخيها إبراهيم فقد وصفته بالصوفى.
- هل لديك ما يدل على مظاهر تصوفها؟ سأل سرحان.
- يقال إنها لزمت بيتها خمسين عاماً، لم تغادره، واتخذت منه خلوة للعبادة، وكانت تعمل بوصية أخيها إبراهيم التى قال فيها: «دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن الكريم بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السّحَر، ومجالسة الصالحين».
التزمت بأربعة منها، واكتفت من الصالحين بأخيها على ما يبدو.
وانتبه الناس إلى ما فيه ميمونة فوصفوها بأنها واحدة وقتها همة وحالاً وخلقاً.
وتذكرها الحوليات التاريخية، وكتب التراجم، والطبقات، على أنها واحدة من العابدات الزاهدات اللواتى عاصرن كبار المتصوفة فى القرن الثالث الهجرى.
- هذا عن حالها، فماذا عن أقوالها؟صمت عرفان طويلاً، ليستعيد بعض ما يحفظه عنها، ثم قال:- هناك من روى أنه قد سمعها تقول: «العلم حياة الخلق، والعمل مطيته، والعقل زينته، والمعرفة نوره وبصيرته».
ولها أقول أخرى مشهودة، منها «الأفعال كلها معيوبة، ولا يعرف عيوب نفسه إلا المبرّأون من العيوب».
وكذلك «من رضى بعيوب نفسه ولم يداوها بدوائها أورثه الله الدعاوى الباطلة».
- حدثتنى من قبل عن ميمونة التى كانت تصلى بعبارة واحدة لا تعرف غيرها «ميمونة تعرف ربى.
ربى يعرف ميمونة.
وها نحن أمام ميمونة أخرى فى زمان آخر، ومكان آخر.
- وهناك ميمونة ثالثة، هى بنت الأقرع، وكانت على قدر عظيم من الورع، إذ كانت توصى التاجر الذى كان يشترى منها ما تغزله بأن يقول لمن يشترى منه: إنها ربما كانت صائمة فلم تجوِّد صنعتها.
وهناك بالطبع، وقبل النساء الثلاث، أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، زوجة النبى محمد صلى الله عليه وسلم.
- وماذا تعلمت ميمونة التى نتحدث عنها الآن من أخيها إبراهيم الخواص؟- التقطت الكثير من حكمته، وعملت بها، وهى التى تجمع بين الزهد، وعلم القلوب وتجريدها، والتوكل الكامل على الله، إذ كانت ترى، مثلما يرى هو، أنه من ضاق قلبه، ضاقت عليه الدنيا بما فيها.
- ليس غريباً على أخت إبراهيم الخواص أن تكون كذلك، وهو الذى يروى أنه كان يحمل دوماً إبرة وخيوطاً وركوة ومقراضاً، فقيل له: يا أبا إسحاق لم تحمل هذا وأنت تمنع من كل شىء؟ فقال: مثل هذا لا ينقض التوكل لأن الله سبحانه وتعالى فرض علينا فرائض والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد فربما يتخرق ثوبه فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلاته، وإذا لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته، وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه فى صلاته.
- عُرفت أخته ميمونة بالحرص الشديد على آداب العبادة، ويُستدل على ذلك بمواقف رويت فى كتب «طبقات الصوفية» و«ذكر النسوة المتعبدات»، لأبى عبدالرحمن السلمى، وهو يعد من أقدم وأوثق المصادر التى أتت على ذكرها.
- وهل هناك شىء عن يوم رحيلها عن الدنيا؟ سأل سرحان.
- جرى عليها ما جرى على الوليات الصالحات من نسيان الكثير من أيامهن، وكل ما أعرفه أن أخاها إبراهيم قد رحل سنة 291هـ، وتاريخ وفاتها هى لاحق على هذا.
دُفن هو فى بغداد داخل ضريح الجنيد، أما هى فدفنت فى المدينة، لكن لم أقرأ شيئاً يدل على مكان قبرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك