تابع أحدث الأخبار عبر تطبيقتثير الأعمال الدرامية التي تتناول تاريخ العنف السياسي دائمًا جدلًا واسعًا كل عام، خصوصًا عندما تمس قضايا معقدة مثل علاقة الدولة بجماعة الإخوان المسلمين.
ومن بين هذه الأعمال يأتي مسلسل" رأس الأفعى" الذي قدم في الحلقة 22 مشهدًا حواريًا بين قيادي بالجماعة ومحمود عزت، أثارت جدلًا واسعًا تضمنت روايات عن تخزين السلاح داخل المزارع والأراضي الزراعية منذ أربعينيات القرن الماضي.
غير أن تحليل مثل هذه المشاهد يتطلب التمييز بين السرد الدرامي الذي يهدف إلى الإثارة وبناء الحبكة، وبين الوقائع التاريخية التي تحتاج إلى توثيق وتحليل موضوعي.
جمع المشهد بين محمود عزت وهارون محمد صادق المجددي، نجل القيادي الإخواني الأفغاني محمد المجددي، الذي شغل منصب سفير أفغانستان في مصر خلال أربعينيات القرن الماضي، ومجددي ونجلة هارون كانا رفيق قيادات إخوانية مثل محمد فريد عبد الخالق ومنير الدلة.
ويعد هارون المجددي من عائلة صبغة الله مجددي، أحد قيادات الجهاد الأفغاني في السبعينيات من القرن الماضي.
يتحدث المشهد عن فكرة تخزين السلاح في المزارع والأراضي الزراعية باعتبارها “فكرة قديمة” تعود إلى عام 1948، عندما فتحت الدولة باب التطوع للقتال أثناء حرب فلسطين.
ووفقًا لحوار عزت، استغلت الجماعة تلك الفرصة لجمع المال والسلاح، مع الاحتفاظ بجزء منه داخل ما عُرف بالتنظيم الخاص، وهو الفكرة القديمة للخلايا النوعية لتنظيم الإخوان منذ أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن الماضي.
كما يشير الحوار إلى وجود مخازن سرية في شقق ومزارع وأراضٍ زراعية في محافظات مختلفة، في إطار شبكة من الخلايا المسلحة آنذاك.
تاريخيًا، من الصحيح أن جماعة الإخوان المسلمين كان لديها تنظيمًا عسكريًا سريًا عُرف باسم التنظيم الخاص منذ الأربعينيات.
وقد شارك بعض المتطوعين المرتبطين بالجماعة في حرب 1948 ضد إسرائيل.
تاريخيًا، استخدمت الجماعة فرق الجوالة والكشافة لتدريب عناصرها في عمليات المقاومة السرية، كما كانت معظم الحركة الوطنية المصرية، مثل مصر الفتاة والحزب الوطني وألوية حزب الوفد، لها تشكيلات سرية وتنظيمية.
غير أن الأهم في هذا الأمر هو خروج عقيدة الجماعة من العمل الوطني والمقاومة المسلحة ضد الاستعمار لاستهداف أماكن وأهداف وطنية في الأساس، والعمل على قلب الحقائق التاريخية فيما بعد للدفاع عن مشروع الجماعة الخاص على حساب المشروع الوطني.
وهنا يكمن الخلط المتعمد في السياقات الفكرية والنضالية في أيديولوجية الجماعة فيما بعد.
يتطرق هذا المشهد إلى أحداث عام 1954، والتي تطلق عليها أدبيات الجماعة" محنة 54" المرتبطة بمحاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والمعروفة إعلاميًا بحادثة المنشية بالإسكندرية.
عقب هذه الواقعة، شنت الدولة حملة اعتقالات واسعة ضد أعضاء الجماعة في سلسلة تنظيمات متعددة عُرفت بتوقيتات الضبط وكانت خمس مجموعات بالإضافة إلى مجموعة الأحداث، أي صغار السن، وهم على الترتيب بحسب المركز القومي للدراسات القضائية بالعباسية وأوراق قضية 65 وكذلك أوراق قضية 122 لسنة 83 المحفوظة في مكتب مختار نوح المحامي: مجموعة أكتوبر 54، ومجموعة يناير 55، ومجموعة مارس 55، ومجموعة يوليو 55، ثم مجموعة تنظيم 56.
كشفت التحقيقات حينها عن وجود التنظيم الخاص وبعض الخلايا المرتبطة به، ومن هنا تم اكتشاف حقيقة النظام الخاص في الجماعة وكيفية السيطرة عليه.
وهنا تكمن ثلاث حقائق يجب توضيحها:وتكشف الحقائق التاريخية عن حدوث صرع بين حسن الهضيبي والجهاز السري الذي اعتبرته مجموعاته دخيل عليها وحسن الهضيبي المرشد الثاني للجماعة من جانب اخري وهنا يجب ان نذكر ثلاث حقائق هامة في هذا الصدد:الحقيقة الأولى: هي رفض بعض القيادات التنظيمية تولي حسن الهضيبي مكتب الإرشاد ومن ثم الإذعان له.
الحقيقة الثانية: كانت رغبة الهضيبي تحجيم بعض أنشطة التنظيم الخاص وتولي زمام أمره من عبد الرحمن السندي وصلاح شادي وعبد المنعم عبد الرؤوف، حتى لا يسير على عكس أوامر الهضيبي حينها.
الحقيقة الثالثة: رغبة بعض القيادات التنظيمية من داخل الجماعة تولي نجل حسن البنا، عبد الرحمن البنا، مكتب الإرشاد مكان والده، أو تولي المرشد الحقيقي للجماعة حينها منير الدلة مكان البنا.
ومن هنا كانت رغبات الهضيبي في السيطرة وليس في مشروعية أو عدم مشروعية أنشطة الجهاز السري للإخوان هي الرهان في التعامل مع الجماعة باعتباره جاء من خارج الجماعة ليتولى رئاستها القيادية حينها.
كان من الأفضل تناول هذا السياق الدرامي بدلًا من التناول السطحي لهذا السياق التاريخي الهام دخل مسلسل رأس الافعى.
أما النقطة الأبرز في المشهد الخاص بتخزين الأسلحة في المزارع، فهي إقحام اسم محمود عزت في سياق أحداث تعود إلى الأربعينيات أو الخمسينيات.
يبدو أن هذا الطرح في مسلسل" رأس الأفعى" كان غير دقيق.
فمحمود عزت وُلد عام 1944 في القاهرة، ما يعني أنه كان طفلًا صغيرًا خلال حرب 1948، ولم يكن قد انخرط في أي نشاط تنظيمي آنذاك.
وكان ظهوره الحقيقي داخل جماعة الإخوان بدأ في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، حين كان طالبًا في كلية الطب وتأثر بأفكار سيد قطب قبل إعدامه عام 1966، حيث كان المتهم 33 في قضية تنظيم سيد قطب مجموعة القاهرة 1، وحكم عليه بالسجن 10 سنوات في هذه القضية، وأُفرج عنه عام 1972.
ومع إعادة بناء التنظيم في السبعينيات، ظهر جيل جديد من القيادات الطلابية، من بينهم محمود عزت وخيرت الشاطر ومحمد بديع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك