عواصم في 16 مارس 2026 /العُمانية/ يحظى شهر رمضان الفضيل بمكانة خاصة في قلوب المسلمين في بلاد الشام، إذ يستقبلونه بلهفة وشوق قبل أيام من تحري الهلال وإعلان قدوم الضيف العزيز.
وتضم منطقة بلاد الشام كلًّا من الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان، وهي دول يجمعها إرث ثقافي واجتماعي متقارب، ينعكس بوضوح في العادات الرمضانية التي توارثتها الأجيال عبر الزمن.
ففي هذا الشهر تتجدد صور التكافل الاجتماعي، وتزدهر العلاقات الإنسانية، وتكتسي المدن والقرى بحلّة نابضة بالحياة، تمتزج فيها الروحانية التي يبثها قدوم الشهر الفضيل في النفوس بالعادات والتقاليد الشعبية الراسخة.
وتبدأ مظاهر الاحتفاء برمضان قبل أيام من قدومه، حيث تزدحم الأسواق بالمتسوقين الراغبين في شراء مستلزمات الشهر الفضيل من المواد الغذائية والحلويات والمشروبات.
كما يحرص كثيرون على اقتناء الزينة الرمضانية لتزيين البيوت والشوارع والأحياء بالفوانيس والأهلة، ما يضفي على المكان أجواء من البهجة والسرور.
وتزداد هذه المظاهر وضوحًا في المدن القديمة والمواقع التاريخية، حيث تُضاء الشوارع وتُعلَّق الزينة فوق المتاجر والمقاهي، فيما تتداخل أصوات الباعة في الأسواق وهم يعرضون السلع المرتبطة بالشهر الكريم.
ويمكن اعتبار هذه الاستعدادات جزءًا أصيلًا من الثقافة الاجتماعية في بلاد الشام، حيث تعكس مدى ارتباط الناس برمضان وحرصهم على التعبير عن فرحتهم بقدومه.
ويُعدّ" المسحراتي" من أبرز العادات الرمضانية التي ما تزال حاضرة في كثير من مناطق بلاد الشام، حيث يجوب شخص حسن الصوت الأزقة والحارات قبيل وقت السحور، قارعًا طبله بإيقاع مميز ومرددًا الأدعية والعبارات التراثية.
كما ينادي أحيانًا بعض السكان بأسمائهم، في مشهد يعكس عمق الروابط الاجتماعية وبساطتها، ويجسد استمرار هذا التقليد بوصفه أحد رموز التراث الرمضاني، رغم التطور الكبير ووسائل التنبيه الحديثة.
ومع اقتراب موعد أذان المغرب، تتغير حركة المدن تدريجيًا لتصبح أكثر هدوءًا، ويعود الناس إلى بيوتهم استعدادًا لتناول وجبة الإفطار التي تبدأ عادة بالتمر والماء اقتداءً بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تتبعها الأطباق التقليدية التي تشتهر بها المنطقة.
وتتميّز المائدة الرمضانية الشامية بتنوع كبير في الأطعمة، حيث تنتشر أطباق الشوربات والسلطات المعروفة في المنطقة مثل الفتوش والتبولة وبابا غنوج والمتبل، إلى جانب الأطباق الرئيسة المعتمدة على اللحوم والخضراوات.
ففي الأردن يُعد المنسف من أشهر الأطباق التي تحضر في المناسبات الرمضانية والاجتماعات العائلية، بينما تشتهر فلسطين بطبق المسخَّن الذي يتصدّر المطبخ الفلسطيني.
أما في سوريا فتتصدّر الكبّة بأنواعها مائدة الإفطار، في حين تحضر في لبنان أطباق الصفيحة باللحم والمحاشي وورق العنب.
ولا تكتمل المائدة الرمضانية في بلاد الشام من دون الحلويات التقليدية التي يزداد الإقبال عليها خلال الشهر الفضيل، وفي مقدمتها القطايف التي تتنوع حشواتها بين الجبن والمكسرات، إلى جانب الكنافة والبقلاوة المعدّة بالسمن البلدي.
وبعد الإفطار يقصد كثير من الناس الأسواق الشعبية التي تتحول في ليالي رمضان إلى فضاءات نابضة بالحياة، حيث تتنزه العائلات وتتسوق وتشتري الحلويات والمشروبات الرمضانية مثل التمر الهندي وقمر الدين والجلّاب وعرْق السوس.
ومن أشهر هذه الأسواق سوق الحميدية بدمشق الذي يشهد حركة نشطة خلال ليالي الشهر المبارك، إلى جانب أسواق بيروت، وأسواق البلدة القديمة في القدس، وأسواق وسط البلد في عمّان.
كما يتوجه المصلّون بعد الإفطار إلى المساجد لأداء صلاة التراويح، حيث تمتلئ المساجد بالمصلين وتسود أجواء من الخشوع والسكينة.
وفي فلسطين يكتسب رمضان طابعًا روحانيًا مميزًا، ويقصد آلاف المصلين المسجد الأقصى لأداء الصلوات، ولا سيما في العشر الأواخر من الشهر، ويتوافد الناس من مختلف المدن والقرى، وهم يحرصون على هذا الطقس رغم محاولات الاحتلال عرقلتهم وإغلاق المسجد الأقصى لمنعهم من زيارته.
ولا تقتصر أجواء رمضان في بلاد الشام على العبادات فحسب، بل تمتد إلى السهرات العائلية والاجتماعية التي تجمع الأهل والأصدقاء بعد صلاة التراويح، سواء في المنازل أو المقاهي، حيث يتبادلون الأحاديث ويحتسون القهوة والشاي أو يمارسون بعض الألعاب الشعبية مثل الطاولة والوَرَق.
ويُعد رمضان كذلك موسمًا للخير والعطاء في بلاد الشام، وتنشط الجمعيات الخيرية وتكثر المبادرات المجتمعية التي تقدم المساعدة للفقراء والمحتاجين.
كما تُقام موائد إفطار جماعية في بعض الأحياء والمساجد والأسواق، ويسارع الناس إلى التبرع بالمواد الغذائية والملابس، في مشهد يعكس روح التضامن الإنساني التي يتميز بها المجتمع.
وتبلغ الأجواء الروحانية ذروتها في العشر الأواخر من رمضان، ويحرص كثير من المسلمين على الاعتكاف في المساجد وإحياء الليالي بالعبادة وقراءة القرآن الكريم.
ومع اقتراب نهاية الشهر الفضيل تبدأ الاستعدادات لاستقبال عيد الفطر، فيتوجه الناس إلى الأسواق لشراء الملابس الجديدة وحلويات العيد، فيما تنشغل ربات البيوت بإعداد الحلويات التقليدية التي تقدم للضيوف خلال أيام العيد، والتي يكون التمر والمكسرات من أبرز مكوناتها.
كما يحرص المسلمون على إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، وهو واجب ديني يهدف إلى مساعدة الفقراء والمحتاجين وتمكينهم من مشاركة الآخرين فرحة العيد.
/العُمانية/ النشرة الثقافية/.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك