مع أجواء شهر رمضان، حيث تحلو الحكايات وتُروى القصص بروح جديدة، يأتي برنامج «حكايات من كِمِت» عبر قناة ومنصات" بوابة أخبار اليوم" ليأخذنا في رحلة غير تقليدية داخل الحضارة المصرية القديمة؛ رحلة لا تبحث عن الحجر فقط، بل عن الإنسان الذي صنعه، وعن القيم التي بنت أعظم حضارة عرفها التاريخ.
البرنامج من فكرة وإعداد الكاتبة الصحفية ومديرة التحرير شيرين الكردي، ويقدمه عالم المصريات الدكتور مصطفى وزيري في قالب بودكاست توثيقي يجمع بين السرد المشوّق والدقة العلمية، ليقترب من تفاصيل الحياة اليومية للمصري القديم؛ كيف عاش، وكيف أحب وتزوّج، وكيف فهم معاني الجمال والقيمة فيالقديم، كما يتناول البرنامج جانبًا مهمًا من حياته اليومية، وهو ما كان يتناوله من أطعمة وأنواع الخبز، كاشفًا أسرار الغذاء والحياة لدى المصري القديم.
◄ الأطعمة أسرار الحياة عند المصري القديملم يكن الطعام عند المصري القديم مجرد وسيلة للبقاء، بل كان جزءًا أصيلًا من فلسفة الحياة والخلود، ففي النقوش التي تزين جدران المقابر والمعابد، تظهر موائد عامرة بكل ما لذ وطاب من خبز وفاكهة ولحوم وأسماك، وكأنها رسالة عبر الزمن تؤكد أن الحياة لا تنتهي بالموت.
وفي روايته لحكايات المصريين القدماء، يروي عالم المصريات الدكتور مصطفى وزيري تفاصيل مدهشة عن عادات الطعام في مصر القديمة، موضحًا كيف تحولت الوجبات اليومية إلى طقوس دينية ورمزية ارتبطت بفكرة البعث والخلود.
يؤكد الدكتور مصطفى وزيري أن المصري القديم كان يؤمن إيمانًا راسخًا بالحياة بعد الموت، ولذلك حرص على أن تمتلئ مقبرته بكل ما قد يحتاجه في رحلته الأبدية، ولهذا السبب لا تكاد تخلو مقبرة من مائدة القرابين، تلك المائدة الحجرية التي تُنقش عليها صور الأطعمة والمشروبات، وكأنها وليمة أبدية تنتظر صاحبها في العالم الآخر.
ويشير وزيري إلى أن الطعام كان عنصرًا أساسيًا في حياة المصريين القدماء، حيث اعتمدوا غالبًا على وجبتين رئيسيتين يوميًا، تتنوعان بين الخضروات والبقوليات والبروتينات، إلى جانب عنصرين رئيسيين لا يكاد يخلو منهما أي طعام: الخبز والجعة.
كان الخبز عماد الغذاء في مصر القديمة.
ويكشف الدكتور مصطفى وزيري أن المصريين القدماء عرفوا ما يقرب من أربعين نوعًا مختلفًا من الخبز، صُنعت في أغلبها من القمح الذي كان متوافرًا بكثرة بفضل خصوبة أرض وادي النيل.
لم يكن الخبز مجرد طعام يومي، بل كان حاضرًا بقوة على موائد القرابين داخل المقابر، باعتباره رمزًا للحياة والاستمرارية.
◄ الجعة.
المشروب الأكثر انتشارًاإلى جانب الخبز، كانت الجعة المشروب الأكثر شيوعًا بين المصريين القدماء، فقد اعتُبرت جزءًا أساسيًا من معظم الوجبات اليومية، وكان يتم إعدادها من الحبوب المخمرة، لتكون مصدرًا للطاقة والغذاء في آن واحد.
اقرأ ايضا| «حكايات من كِمِت».
ختان الذكور وتقويم الأسنان مفاجآت من التاريخ المصريأما البروتينات فتنوعت بين الأسماك واللحوم والطيور.
وقد لعب نهر النيل دورًا مهمًا في توفير الأسماك، بينما كانت اللحوم تأتي من الأبقار والأغنام، إضافة إلى الطيور التي كان أشهرها الأوز والبط، لكن مع عدم وجود وسائل تبريد في ذلك العصر، لجأ المصري القديم إلى تجفيف اللحوم والأسماك للحفاظ عليها لفترات أطول.
ويضيف الدكتور مصطفى وزيري أن إعداد الطعام كان يتم عبر منظومة متكاملة من الحرفيين، فقد كان هناك الجزارون المتخصصون في تقطيع اللحوم، ثم تأتي مجموعة أخرى من الطهاة الذين يقومون بالشواء أو السلق أو الطهي بطرق مختلفة.
وتظهر هذه المشاهد بوضوح في النقوش الجدارية داخل المقابر، حيث نرى العمال وهم يقطعون اللحوم ويعدون الأطعمة في مشاهد دقيقة تكشف تفاصيل الحياة اليومية.
◄ البقوليات والخضروات.
مصدر القوةلم تقتصر موائد المصريين القدماء على اللحوم، بل كانت البقوليات جزءًا أساسيًا من غذائهم، مثل الفول والعدس، كما احتلت الخضروات مكانة مهمة، خاصة البصل والثوم اللذين كانا يُعتقد أنهما يمنحان الجسم قوة وطاقة، وكان العمال الذين يبنون المقابر والأهرامات يتناولونهما بكثرة.
كما عرفت مصر القديمة أنواعًا متعددة من الفاكهة، مثل التين والعنب والتمر، التي كانت تُقدم طازجة أو مجففة، وتظهر أيضًا ضمن مشاهد القرابين في المقابر.
◄ الطعام والمكانة الاجتماعيةويلفت الدكتور مصطفى وزيري إلى أن نوعية الطعام كانت تعكس مكانة المتوفى الاجتماعية.
فكلما كان الشخص أكثر ثراءً، امتلأت موائد قرابينه بأنواع أكثر من اللحوم والطيور الفاخرة.
أما الطبقات البسيطة فكانت موائدها تعتمد بشكل أكبر على الخبز والبقوليات والخضروات.
كان الهدف من وضع الأطعمة في المقابر هو أن ترافق المتوفى في حياته بعد الموت، لكن المصري القديم لم يكن يعتقد أن الطعام نفسه سيبقى آلاف السنين، بل كان يعتمد على تعويذات سحرية تُتلى أو تُنقش داخل المقبرة، لتتحول هذه الصور والقرابين إلى طعام حقيقي في العالم الآخر.
ويذكر وزيري أن الطعام لم يكن فقط وسيلة للغذاء، بل كان أيضًا مكافأة للعمل، فعندما يمر صاحب المقبرة أو الوزير أو كبير الكهنة لتفقد سير العمل في بناء المقبرة أو الهرم، وإذا وجدوا العمل يسير بإتقان، كان العمال يحصلون على مكافآت من الطعام، مثل اللحوم والنبيذ بكميات وفيرة احتفالًا بإنجازهم.
◄ نقوش تحكي قصة المطبخ المصري القديمكل هذه التفاصيل لم تصلنا من خلال النصوص فقط، بل من خلال النقوش الرائعة على جدران المعابد والمقابر، التي وثّقت بدقة مراحل إعداد الطعام، من الذبح والتقطيع إلى الطهي والتقديم، وهكذا، يكشف لنا الدكتور مصطفى وزيري أن المطبخ المصري القديم لم يكن مجرد مجموعة من الأطعمة، بل كان عالمًا متكاملًا من الطقوس والعادات التي ربطت بين الحياة اليومية والعقيدة الدينية.
فبين رغيف خبز وكأس جعة، وبين مشهد ذبح الأضاحي وتقديم القرابين، ترك لنا المصريون القدماء قصة حضارة آمنت بأن الحياة لا تنتهي عند الموت، بل تبدأ رحلة جديدة في عالم الخلود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك