هل جربت مرة أن تضع أغلى أنواع العطور على جسد لم يمسه الماء منذ عام؟ أو هل حاولت أن تزرع وردة" لوتس" نادرة وسط تلال من القمامة وتنتظر منها أن تفوح بعبيرها؟هذا بالضبط ما نفعله بقلوبنا كل رمضان؛ نحاول حشوها بصلوات التراويح، وختمات القرآن، وموائد الإفطار العامرة، بينما" مواسير" أرواحنا مسدودة بأوحال الغل، وصدأ النفاق الاجتماعي، وعفن النميمة التي نلوكها مع التمر عند المغرب.
الحقيقة الصادمة التي يهرب منها الجميع هي أن رمضان لا يُصلح قلباً ممتلئاً بالوسخ، بل يُنير قلباً تطهر من الزحام.
نحن لا نحتاج إلى شحن إضافي لقلوبنا الميتة، نحن نحتاج أولاً إلى تفريغ شحنات السموم التي تراكمت طوال السنة، لأن صبّ النور في إناء متسخ لا يزيد الطين إلا بلة.
إحنا بقينا مجتمع شاطر جداً في" الفوتوشوب الروحي"؛ بنجمل الصورة من بره بالفوانيس والخيامية، ومن جوه القلوب ناشفة وزي الحجر.
بص كدة على حالنا في الشارع المصري قبل المدفع بساعتين؛ خناقات في المواصلات على فكة أو أولوية مرور، وشتائم بتطلع من قلوب صايمة عن الأكل بس لسه مفطرة على الغل والقسوة.
ده أكبر دليل إننا بنعمل تحلية شكلية من غير ما نعمل تخلية حقيقية لقلوبنا من الغضب والتعالي.
إحنا بقينا غرقانين في فلسفة المظاهر حتى في الدين؛ السفرة لازم تبقى ملكية، والعزومات بقت استعراض قوة مش صلة رحم، والمسلسلات بتاكل اليوم من أوله لآخره.
فين بقى التخلية هنا؟ إحنا بنملأ وقتنا بكل حاجة عشان نهرب من مواجهة نفسنا في لحظة صدق.
وبنسأل دايماً ليه ما فيش تغيير؟ ليه بنبدأ بعزيمة قوية ونفس مفتوحة للعبادة، وفجأة البنزين بيخلص في نص الطريق وبنخرج من رمضان زي ما دخلنا، ويمكن أسوأ؟ السر يا سيدي في إننا بنتعامل مع رمضان كأنه" حقنة مسكنة" مش" كورس علاج" طويل المدى.
إحنا بنهجم على العبادات في أول أسبوع بهوس الكميات؛ عاوزين نختم القرآن تلات مرات، ونصلي التراويح والتهجد، ونعمل كل حاجة مرة واحدة، وإحنا لسه مفرغناش السموم اللي جوانا.
زي اللي بيحاول يبني دور عاشر في عمارة أساسها مهزوز ودايب، طبيعي تقع فوق دماغه قبل ما الشهر يخلص.
العزيمة بتهبط لأننا ركزنا على" التحلية" والمظاهر الخارجية، ونسينا إن القلب لسه ثقيل بالكراكيب القديمة، فبيفضل يقاوم التغيير لحد ما يرجعنا لعاداتنا القديمة تاني.
القلب بيموت من" التخمة"؛ تخمة الكلام، وتخمة الأكل، وتخمة الفرجة.
رمضان الحقيقي هو موسم صيام الحواس، يعني تفرغ ودنك من القيل والقال، وتفرغ عينك من مراقبة حياة غيرك على السوشيال ميديا، وتفرغ عقلك من الحسابات المادية اللي مبترحموش.
لو منظفناش الماسورة المسدودة دي من جوه، مفيش مية طاهرة هتعرف تمر للقلب وتنعشه.
التخلية مش رفاهية، دي عملية غسيل معدة للروح قبل ما تبدأ تاكل من مائدة السماء، لأن اللي بياكل وهو مسموم، الأكل مش بيقويه.
الأكل بيموته.
إنعاش قلبك بيبدأ بلحظة صدق واحدة، تفرغ فيها كل الكراكيب اللي خنقت روحك، وتسمح لنور ربنا إنه يدخل يطهر الزوايا المظلمة.
في النهاية، رمضان مش مجرد خانة بنشطبها في أجندة السنة، ولا هو سباق كميات في العبادات والولائم؛ رمضان هو المعمل الروحي اللي بنعيد فيه صياغة أنفسنا.
إذا خرجت من الشهر بقلب لسه شايل نفس الضغائن، وعين لسه بتراقب عيشة الناس، ولسان لسه بيبخ سموم النميمة، فإنت للأسف مكنتش صايم.
أنت كنت بس مأجل عاداتك السيئة لغداً.
التخلية هي الحل الوحيد عشان التحلية تظهر في ملامحك، وفي هدوء نفسك، وفي بركة رزقك.
ولو وقف صيامك النهاردة قدام مراية روحك.
هل هيشوف إنسان جديد بيتشكل، ولا هيشوف نفس النسخة القديمة بس وهي مهبطة من الجوع؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك