عمان- يدور فيلم" قيمة عاطفية" حول الذاكرة كعبء أخلاقي يلاحق الشخصيات ويطالبها دائما بتفسير نفسها.
العنوان نفسه يوحي للوهلة الأولى بحميمية ما نحتفظ به، لكن الفيلم يقلب هذا المعنى رأسا على عقب حين يكون دليلا على العجز عن مغادرة ذكريات معينة تتمحور حولها حياتنا.
اضافة اعلانالفيلم من إخراج يواكيم تراير، أحد أبرز مخرجي السينما النرويجيين، وبطولة ريناته رينسفي، وستيلان سكارسغارد، وإنجا إبسدوتر ليلياس، وإيل فانينغ، وتدور قصته حول مخرج سينمائي يدعى غوستاف، انقطع منذ سنوات طويلة عن عائلته، تاركا وراءه زوجة وابنتين؛ نورا وأغنيس.
يعود الأب إلى حياتهما فجأة حاملا مشروع فيلم جديد، يحاول من خلالها إعادة صياغة رمزية لتاريخ العائلة نفسها.
سياقات الحياة العائلية تظهر في السيناريو بدءا من الأم الراحلة والطفولة وانهيار العائلة، وكلها تتحول إلى مادة سينمائية يطلب الأب من ابنته نورا أن تقدم الدور الرئيسي فيها.
تبدأ العقدة برفض الابنة العرض المقدم، فهي لا تريد العمل في فيلم لا يشكل محاولة لفهم الماضي، وإنما محاولة لامتلاكه.
الأب يريد أن يروي القصة بطريقته، وأن يحدد كيف يجب أن يتم فهم تلك السنوات، ومن كان الضحية ومن كان المخطئ.
وعندما ترفض الابنة المشاركة، يمنح الدور لممثلة أجنبية معروفة، فيتحول مشروع الفيلم إلى مواجهة غير مباشرة بين سردية الأب عن العائلة، وسردية الابنة عن حياتها.
في هذا السياق، يطرح الفيلم سؤالا عميقا عمن يمتلك الحق في رواية الماضي.
غوستاف، بوصفه الأب والفنان، يعتقد أن الفن يمنحه هذه السلطة، فالسينما بالنسبة له وسيلة لتفسير الحياة، لكنه في الحقيقة يمارس نوعا آخر من السيطرة، فهو يعيد كتابة التاريخ بطريقة تجعله أكثر قابلية للتعايش.
في السيناريو الذي كتبه، تتحول التجربة العائلية إلى دراما إنسانية ذات معنى، حيث يبدو الفنان رجلا حساسا تقوده الظروف إلى خيارات صعبة، بينما تتحول بقية الشخصيات إلى أجزاء من هذه الحكاية.
أما نورا، فترى الأمر بشكل مختلف تماما، فالفيلم، بالنسبة لها، ليس عملا فنيا بريئا، بل إعادة تمثيل للألم.
وعندما يطلب منها الأب أن تؤدي الدور، يبدو الطلب وكأنه محاولة للتقارب، لكنه يحمل في داخله معنى آخر، يتحدد بأن تصبح حياتها الشخصية جزءا من رواية كتبها شخص آخر، لذلك يأتي رفضها من مقاومة اختزال تجربتها بمادة سردية في فيلم.
تعقيدات العلاقات العائلية في الفيلم تطرح مفهوم التعارض بين ما حدث، والطريقة التي يعاد بها سرد ما حدث، وكذلك أسئلة حول من يملك السردية، ومن يملك تفسير الماضي.
الفيلم يتجاوز فكرة أن الماضي يؤلم، ويذهب نحو ما هو أكثر عمقا بأن هناك دائما من يحاول تفسيره نيابة عن الآخرين.
العائلة كملاذ عاطفي يغيب مفهومها عن أجواء الفيلم الذي يقدمها كبنية عصية على المصالحة بسبب تعارض السرديات حول ما حدث في الأصل، فالأب يريد إعادة جمع العائلة عبر الفيلم، لكن هذه المصالحة مشروطة بقبول روايته للأحداث، بينما ترفض الابنة هذا الشرط، لأنها ترى أن المصالحة الحقيقية لا تبدأ بإعادة تمثيل الماضي، بل بالاعتراف به.
الأشياء والأماكن في الفيلم تصبح أكثر من مجرد تفاصيل بصرية، فالمنزل العائلي القديم والأثاث والصور، جميعها تتحول إلى شواهد على الماضي، وتحمل ما يمكن تسميته بالذاكرة المادية.
وفي حين يراها الأب مادة درامية قابلة للتحويل إلى مشاهد سينمائية، فإن الابنة تراها آثارا حقيقية لتجربة عاشتها، ما يعكس فرقا واضحا بين الموقفين في النظر إلى الماضي بوصفه قصة، والنظر إليه بوصفه حياة.
اللغة السينمائية نفسها تعزز هذا التوتر من خلال الحوار القليل، والصمت الذي يحتل مساحة واسعة، فيما الكاميرا تراقب الشخصيات أكثر مما تتدخل في مصائرها، وكأنها تترك المشاهد أمام المسافة العاطفية التي تفصل بين الأب وابنته.
الفيلم يظهر التباين الكبير بين السينما الأوروبية ونظيرتها الأميركية، أي السينما كفن مقابل السينما كصناعة.
ففي أوروبا الفيلم عمل فني شخصي، وهو ما يجسده" قيمة عاطفية"، معتمدا على السرد التأملي، والتركيز على الحالة الإنسانية بما فيها من التباس وتعقيد وضياع وتردد، منطلقا من كون الإنسان كائنا قلقا وهشا وغير مكتمل، ويحاول الإجابة عن سؤال: ماذا يعني أن نكون بشرا؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك