طولكرم- الدستور- المحامي علي أبو حبلة والأستاذ عبد البري*ليست بيت نوبا مجرد قرية فلسطينية مهجّرة، بل شاهد حيّ على واحدة من أخطر سياسات الاحتلال الإسرائيلي: الإزالة الكاملة للمكان والإنسان والذاكرة.
قرية أُفرغت من سكانها بالقوة، ودُمّرت منازلها، ومُسحت معالمها، ثم أُعيد إنتاج المكان تحت اسم استيطاني جديد، في محاولة لطمس التاريخ وإحلال رواية بديلة.
تقع بيت نوبا في منطقة مرتفعة نسبيًا (نحو 250 م عن سطح البحر).
تتوسط الطريق التاريخي بين القدس ويافا، جنوب شرق الرملة وجنوب غرب رام الله.
بلغت مساحة أراضيها حتى عام 1948 نحو 11,401 دونم، بينما لم تتجاوز مساحة البناء فيها 74 دونمًا.
هذا الموقع منحها أهمية استراتيجية عسكرية وتجارية عبر العصور.
عُرفت في العهد الروماني باسم «بيت عنابة»، وكانت من قرى أعمال اللد.
في المصادر الإفرنجية سُمّيت «بيت نوبي».
خلال الحروب الصليبية، احتلها الإفرنج عام 1133م، وبنوا حصنًا لتأمين طريق القدس–يافا.
استعادها صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وأصبحت من القرى الأمامية في الدفاع عن القدس.
عام 1192م وصل ريتشارد قلب الأسد إلى بيت نوبا ومكث فيها أسابيع قبل أن يتراجع دون دخول القدس.
بلغ عدد سكانها عام 1961 نحو 1350 نسمة، احتوت على مسجد، ومدرسة للبنين (تأسست 1922) ومدرسة للبنات (تأسست 1967).
اعتمد السكان على الزراعة وتربية المواشي، وُجدت في القرية آبار لجمع مياه الأمطار، وأساسات أثرية ومدافن صخرية.
من صمود 1948 إلى نكبة 1967:خلال حرب 1948 تعرّضت بيت نوبا لهجمات متكررة من العصابات الصهيونية، لكنها صمدت ولم تُحتل، بعد توقيع اتفاق الهدنة الأردنية–الإسرائيلية (3 نيسان 1949)، أُلحقت إداريًا بقضاء رام الله، قُضم نحو 2225 دونمًا من أراضيها لصالح خط الهدنة (الخط الأخضر)، بقيت القرية قائمة حتى 7 حزيران/يونيو 1967.
التطهير العرقي وطمس القرية:في اليوم الثالث من حرب حزيران 1967 اقتحمت قوات الاحتلال القرية، وهُجّر السكان قسرًا، وهُدمت جميع المنازل بالكامل.
وقد وصف الصحافي البريطاني مايكل آدمز المشهد في تقرير نشرته صنداي تايمز، ونقلته الأهرام (19 حزيران 1968):«لقد طمس الإسرائيليون معالم بيت نوبا ويالو، ومسحوهما من فوق الأرض».
القرية اليوم.
استيطان فوق الركام:أقام الاحتلال على أنقاض القرية مستوطنة «ميفو حورون، ومُنع أهالي بيت نوبا من العودة.
وكان في ذلك انتهاك صارخلقرار الأمم المتحدة 194 (حق العودة)، ولمبادئ القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة، يعيش المهجّرون اليوم في تجمعات قريبة تُعرف بـ: «حي الكرامة»، «خربة بيت نوبا».
الدلالة السياسية والقانونية:بيت نوبا ليست حالة استثنائية، بل نموذج لسياسة ممنهجة لإفراغ الأرض من سكانها الأصليين، وهدم القرى بالكامل لمنع أي عودة مستقبلية، إوعادة تسمية المكان لإنتاج ذاكرة استعمارية جديدة.
إن ما جرى في بيت نوبا وقرى اللطرون (عمواس، يالو) يرقى إلى جريمة تهجير قسري وتطهير عرقي وفق التعريفات القانونية الدولية.
ورغم إزالة بيت نوبا من الخريطة، لم تُمحَ من الوجدان الفلسطيني.
فالقرية التي صمدت أمام الغزاة عبر قرون، ما زالت حاضرة في الرواية والحق والوثيقة.
إن استعادة بيت نوبا تبدأ بحفظ الذاكرة، وتوثيق الجريمة، والمطالبة القانونية بالحق، لأن القرى لا تموت ما دام أهلها يروون حكايتها.
*المراجع: فلسطين في الذاكرة، الموسوعة الفلسطينية، Zochrot، الباحث عباس نمر – قرى اللطرون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك