قناة القاهرة الإخبارية - نشرة أخبار الثالثة عصرًا من القاهرة الإخبارية قناة الجزيرة مباشر - Lebanese children face immense psychological trauma on the day of innocent child victims of aggre... وكالة شينخوا الصينية - التجارة الصينية: تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الاقتصادية بشأن الدعم المالي للصناعات الصينية يستخلص نتائج أحادية وتعسفية العربية نت - "سيد الجزيرة العربية".. كتاب بريطاني يوثق سيرة الملك المؤسس سكاي نيوز عربية - مسؤول: حزب الله أبلغ السلطات رفضه اتفاق وقف إطلاق النار وكالة شينخوا الصينية - كبير الدبلوماسيين الصينيين: الصين تعتزم اتباع نهج مسؤول وبنَّاء في مشاركتها في اختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة قناة الغد - إعادة هيكلة.. الأهلي المصري يعلن رحيل مدير الكرة ومساعد المدرب القدس العربي - رئيس مانشستر سيتي: غوارديولا استقال مائة مرة قبل رحيله النهائي وكالة الأناضول - جامعة مصرية تعلن اكتشاف موقع أحفوري نادر عمره 62 مليون سنة العربية نت - 5 مزايا خفية في تطبيق الطقس على آيفون تستحق التجربة
عامة

صاحب «النحوم الزاهرة والمنهل الصافي».. جمال الدين ابن تغري بردي.. أثر المؤرخ حيث يبقى القلم

بوابة الأهرام
بوابة الأهرام منذ شهرين
1

بلا شك أنه أمر يفوق الخيال بدنيا المماليك التي ألفناها متخمة بالطرافة والغرابة وتضج بعجائب الأمور في جُل حوادثها ودفاتر أحوالها. أن يترجل الأمير عن جواده ليُمسك محبرته ويصوغ التاريخ بريشة قلمه وأن يجت...

ملخص مرصد
جمال الدين ابن تغري بردي كان أميرًا مملوكيًا تحول إلى مؤرخ بارز، وُلد في القاهرة عام 813هـ، واشتهر بتأليف كتاب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" الذي أصبح مرجعًا أساسيًا لتاريخ مصر والمماليك. تلقى تعليمًا متميزًا وعمل في مجال التاريخ والتوثيق، وتوفي عام 874هـ بعد معاناة مع المرض.
  • ولد في القاهرة عام 813هـ ونشأ في كنف أسرته الأميرية
  • ألف كتاب "النجوم الزاهرة" الذي أصبح مرجعًا تاريخيًا مهمًا
  • توفي عام 874هـ بعد معاناة مع مرض القولنج
من: جمال الدين ابن تغري بردي أين: القاهرة

بلا شك أنه أمر يفوق الخيال بدنيا المماليك التي ألفناها متخمة بالطرافة والغرابة وتضج بعجائب الأمور في جُل حوادثها ودفاتر أحوالها.

أن يترجل الأمير عن جواده ليُمسك محبرته ويصوغ التاريخ بريشة قلمه وأن يجتمع لشخص واحد وظيفة رجل الدولة ومهمة المدون المتابع للأحداث بهمة واقتدار.

صاحب معلمنا الفكري اليوم هو وجه استثنائي وحالة فريدة إنه" يوسف بن تغرى بردى بن عبد الله الأمير جمال الدين أبو المحاسن بن الأمير الكبير سيف الدين البشبغاوي الظَّاهِرِيّ القاهري الْحَنَفِيّ أتابك العساكر بالديار المصرية ثم كافل المملكة الشامية".

هكذا تُعرفه المصادر التاريخية بشكل رسمي فهو الأمير بالوراثة عن أمير - هو والده -ذي الحيثية والتفاعل والتحكم في مجريات الأمور من حوله، لكن الابن لم يثبت حضورَا تاريخيًا ذا أثر يذكر بانتمائه لهذه الصفات الرسمية المرموقة الموروثة عن أبيه، بل دخل التاريخ من أوسع أبوابه كناقل للأحداث وراويا لصيق الصلة ومؤرخًا لها -إن صح الوصف - عبر وضعه كتاب هو العمدة للباحثين حول تاريخ مصر عموما وأزمنة المماليك خصوصًا حمل اسم" النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"، وهو من أشهر مصنفاته وأوسعها صيتا وأكثرها شهرة.

وُلد صاحبنا في القاهرة في دار الأمير" منجك اليوسفي" بجوار مدرسة السلطان حسن (ميدان صلاح الدين بالقلعة) عام ٨١٣هجرية، و" تغرى بردى" لقب تتري يعني بالتركية عطاء الله أو الله أعطى"، وقد توفي والده -الأمير الكبير في عهد السلطان الظاهر سيف الدين برقوق ومن بعده ابنه الناصر فرج بن برقوق، وكان يشغل نيابة دمشق في أواخر حياته -وعمر صاحبنا الوليد سنتين.

لا نستطيع أن نقول أن" ابن تغرى بردى" قد عاني حياة اليتم وعصفت بحياته توابعها وآثارها ذلك أنه أحيط برعاية فائقة منذ نعومة أظافره وحظي بظروف تنشئة متميزة قلما تتاح لآخرين غيره إذ تكفل به زوج أخته" هاجر" قاضي قضاة الحنفية ناصر الدين محمد بن العديم إلى أن توفي ليكمل في كفالته زوج أخته الآخر شيخ الإسلام قاضي القضاة الشافعي جلال الدين عبد الرحمن البلقيني، وفي هذه المحطة الفاصلة من حياة الفتي أُتيح له أن يتعلم علوما شتى وأن يُخالط أكابر العلماء و أساطين المعارف في زمنه، فحفظ القرآن ومختصر القدورى في الفقه وعلوم النحو والشعر والنثر وفن الموسيقى، وبرع في فنون الرياضة والفروسية، وأجاد اللغتين العربية والتركية بمهارة وإتقان، كما أظهر تفوقًا في تعلم التاريخ، ومن أساتذته: ابن حجر العسقلاني، وبدر الدين العيني، وابن ظهيرة، وابن عربشاه وتقي الدين المقريزي.

وبذلك فقد تربى وبلغ في بيئة علم مستقرة أصقلته بثقافة السيف والقلم.

وكانت أولى كتب" ابن تغرى بردي" في التاريخ كتاب" المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي"، وضم فيه تراجم السلاطين وكبار الأمراء مرتبة على حروف المعجم على غرار كتاب" الوافي بالوفيات" للصفدي، وقد أتبعه بعد ذلك بأحد عشر مؤلفا تاريخيا.

كما شارك في ظهور عسكري نادر عام 836هـ/1432م في حملة السلطان برسباي على «الآق قوينلو» في شمالي الجزيرة السورية.

كان" ابن تغرى بردي" في أخلاقه مضرب المثل في الحياء والتواضع لا يشتم أحدا من حاشيته أو غلمانه أو يتعالى على جلسائه بحسب شهادة صديقه وتلميذه" أحمد بن حسين التركماني المعروف بالمرجى" عنه.

لا تستغرب عزيزي القارىء هذه السجايا الطارئة على عالم المماليك، ذلك أننا أمام طائفة أخرى منهم هي" أولاد الناس" من أصحاب السيف والقلم الذين نشأوا من أب وأم من طبقة الأحرار ومعلومي النسب.

الحقيقة أن بعض السلاطين المماليك كانوا يعلمون أصولهم أو على الأقل لا يجهلونها بالكلية ويحاولون الوصول إلى أقارب لهم، فالسلطان" برقوق" مثلا حمل اسم" برقوق بن أنس" والسلطان" قايتباي" جلب شقيقًا له ليسلم بين يديه، وقيل ختنه كما كان" الأمير جانم الشريفي" قريب له من جهة أمه والأمير" تمراز الشمسي" ابن أخته.

لكن أغلب مماليك البدايات أمراء وسلاطين لم يشاءوا الإفصاح عن أصولهم؛ لأنه ليس من حق الرأي العام أن يعرف شيئا وبقاء السيرة غامضة أفضل من إعلانها وتحول أجزاء منها إلى مضغة على ألسنة العامة خاصة أن أشكال الزيجات في كثير من البقاع التي انحدروا منها لم يكن طبقا للتقاليد الإسلامية وبعضها خارج دائرة الزواج من الأساس وبعضهم حديث العهد بالإسلام وحكايات المجالس الشعبية تضيف الكثير والكثير من الأوهام والخيالات على الحقيقة الواحدة فما بالك لو كانت بعض حقائقهم أغرب من الخيال؟ !!

نتوقف عند محطة" ابن تغري بردي" الناقل التاريخي- أو المؤرخ تجاوزا -ونطرح سؤالا: هل التاريخ الذي وضعه مؤرخي هذه العصور يمكن وصفه بالحيادية والتجرد والتنزه عن الموالاة وتقلبات النفس والهوى وما إلى ذلك من جبلة إنسانية قد تخون المرء بإرادة منه أو رغمًا عنه ولنأخذ صاحبنا" ابن تغري بردي" نموذجًا.

فنجده في مقدمته يزعم اتجاها حاد عنه في نهايته إذ يقول في مقدمته عن بواعثه الذاتية لتصنيف الكتاب دون ارتكان لسلطان أو طلب من أمير" ولم أقل كمقالة الغير إننى مستدعى الى ذلك من أمير أو سلطان، ولا مطّلب به من الأصدقاء والإخوان؛ بل ألّفته لنفسى، وأينعته بباسقات غرسى؛ ليكون لى فى الوحدة جليسا، وبين الجلساء مٌسامرًا وأنيسا؛ ولا أنزّهه من خلل وإن حوى أحسن الخلال، ولا من زلل وإن طاب مورده الزلال".

لكنها يصدمنا في أخريات كتابه حينما يفصح عن مكنون نفسه في ساعة حزن وأسى على تلميذه وصديقه الأمير محمد بن السلطان الظاهر سيف الدين جقمق الذي عاجلته المنية إذ يقول في حوليات سنة 847 هجرية: " ومن أجله (يقصد من أجل الأمير الراحل محمد) صنّفت هذا الكتاب من غير أن يأمرنى بتصنيفه، غير أنى قصدت بترتيب هذا الكتاب من ذكر ملك بعد ملك، أنه إذا تسلطن، أختم هذا الكتاب بذكره، بعد أن أستوعب أحواله وأموره على طريق السيرة، ولوّحت له بذلك، فكاد يطير فرحا".

وكان مؤرخنا يعول على مستقبل كبير للأمير الراحل حال سلطنته يكون فيه هو المتحكم والمتربع على عرش عقله بحكم تدريسه التاريخ إليه ومنادمته له أغلب الوقت إذ يقول: " ولقد كان حسنة من حسنات الزمان، خليقا للملك والسلطنة، ولو طال عمره إلى أن آل إليه الأمر، لما اختلف عليه اثنان غصبا ومروءة؛ فإنه كان هيّنا مع الهين فتّاكا على العسر، وأنا أعرف بحاله من غيرى؛ ولقد سمعت منه كلمات من أفعال يفعلها إن تمّ أمره فى الملك، تدل على معقول وتدبير عظيم وحدس صائب، وإقماع المفسدين، لم أسمعها من أحد غيره كائنا من كان".

وعلى عادة المؤرخين يستدعي من الشعر ما يرثو به صديقه فينقل ع" مسعود بن محمد الشاعر: بأبى، حبيب زارنى متنكّرا.

فبدا الوشاة له فولّى معرضا.

فكأنّنى وكأنّه وكأنّها.

أمل ونيل حال بينهما القضا.

".

وقبل أن نغادر هذا المثال لمبحث آخر نتوقف عند عادة بعض المؤرخين القدامى في إدعاء الشمولية والموسوعية حتى بلوغ عتبات الطب غير مبالين بدقة التخصص فنجده يعلل علة الأمير التي أودت بحياته على هذا الشكل: " وكان رميه بالنشّاب فى غاية الجودة، ويشارك فى ملاعيب كثيرة، لولا سمن ( يقصد السمنة) كان اعتراه، وكره هو ذلك، وأخذ يتداوى فى منع السمن بأشياء كثيرة، ربما كان بعضها سببا لهلاكه، مثل شرب الخل على الريق، ومنع أكل الخبز سنين، وكثرة دخول الحمّام، حتى أنه كان غالب جلوسنا معه فى الخلوة فى مسلخ الحمام الذي ابتناه بطبقة الغور من القلعة، ويداخله فى الحرارة، وأشياء غير ذلك".

والواضح من السياق أن الأمير ربما كان مُصابًا بالسكري من النوع الثاني، وهو السبب في السمنة الطارئة عليه وكثرة تردده على الحمام للتبول والعلاج بالخل كان موروثًا شعبيًا في خفض مستويات السكر بالدم وعلاج السمنة، أما الامتناع عن الخبز أو تقليله فهو سعي محمود -إن صح تكهني- ذلك أن الخبز الأبيض المصنوع من الدقيق الأبيض والسكر المُضاف كان هو السائد في زمنه، وهو مصدر للكربوهيدرات التي ترفع مستوى السكر في الدم؛ لذلك فعادات الأمير في الأغلب لم تكن هي السبب في وفاته كما صور لنا صاحبنا الذي لم يتحر الحقيقة فيما ينقله بل كانت خيارات صحية ربما كانت نصائح أطبائه وهذا من الفوارق بين الناقل الراوي والمؤرخ المحقق.

نعود إلى محاولة الإجابة عن سؤالنا الأول مجددا وننظر إلى موقف" ابن تغري بردي" من" جمال الدين يوسف الاستادار"، والذي أرخ له بانحياز تام لموقف أبيه منه كما سنرى.

وعن" جمال الدين" هذا يقول" أحمد بن علي القلْقشندي" في كتابه" صبح الأعشى في صناعة الإنشاء" معددُا مآثره في الإصلاح الاقتصادي والضرب على أيدي الفاسدين وخفض الأسعار: " ولما كان الجناب العاليّ، الأميريّ، الكبيريّ (إلى آخر ألقابه) يوسف الناصري: ضاعف الله تعالى نعمته، هو الذي حنّكته التّجارب و«حلب الدّهر أشطره» وعرف بتقليب الأمور على ممرّ الزمان مخبره، مع ما اشتمل عليه من الرأي الصائب، والفكر الذي إذا أبدت قريحته في الارتياء عجبا أتت فطرته السليمة بالعجائب.

هذا وقد علا في الدولة القاهرة مقامه، ورشقت أغراض مقاصدها بانقضاء الآجال في الوقائع سهامه، وساس العساكر فأحسن في سياستها التدبير، وبذل في نفقاتها الأموال فمال فيها إلى الإسراف دون التقتير، واستجلب الخواطر فأخذ منها بمجامع القلوب، واقتاد النفوس الأبيّة قهرا فأطاعه من بين الشّمال والجنوب، وقام من المهمّات الشريفة بما لم يسبقه إليه سابق، وأتى من خوارق العادات في التنفيذ بما لم يلحقه فيه لاحق، وبادر إلى ترتيب المصالح فرتّبها ولم يعقه في انتهاز الفرصة عن دفع المفاسد عائق، وأخذ في حطّ الأسعار فورد منهلا من المعروف صافيا، وأمر بإبطال المعاملين فكان له عملا على توالي الأزمان باقيا، ولازم بعد رضا الله تعالى رضا ملكه ففاز بأشرف المآثر في الحديث والقديم، وتأسّى في تعريفه بنفسه بيوسف عليه السّلام فقال: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ".

لكن نجد سيرة الرجل على النقيض تماما لدى" ابن تغري بردي".

فهو أس الفساد ومعقله ومنبع الشرور وملاذها وقصة الخلاف تعود لوالد المؤرخ كما أسلفنا وتتلخص أن" جمال الدين" باشر وظيفة الاستادارية عند جماعة من الأمراء في بدايات حياته ومنهم الأمير" تغرى بردي" والذي أغراه بالمال الكثير له ولحاشيته ليوليه هذا المنصب ويسلم له" عماد الدين إسماعيل" استاداره السابق وكان ظن" تغري بردي" أن انتقام" جمال الدين" من الاستادار السابق لن يعدو التوبيخ والإهانة بالضرب جزاء خصومة سابقة بينهما مبعثها استخفاف" عماد الدين إسماعيل" بجمال الدين وإطلاق لسانه في حقه.

لكن" جمال الدين" أمعن في الانتقام بغريمه وقتله مما أوغر صدر الأمير" تغرى بردي" عليه وراح يتحين فرصة للانتقام منه لكن المسألة لم تعد سهلة مع الصعود المدوي لجمال الدين وصيرورته لمناصب عليا في دولة السلطان" الناصر فرج بن برقوق أو الملك الناصر زين الدين أبو «السعادات» كان فيها الأستادار والوزير وناظر الخاص وأصبح" مشير الدولة.

"طبعا كانت نصيحة الحاشية والخواص للأمير الغاضب" تغري بردي" أن يتريث في الانتقام لتحين الفرصة المناسبة فقالوا له: " يا خوند قد فات الأمر، وما عسى أن يصنع فيه الملك الناصر مع خصوصيّته عنده"، " فسكت الوالد على دغل".

وسرعان ما تدور الدوائر من حول" جمال الدين" ويسقط في قبضة غريمه الأمير" تغري بردي" على نحو متوقع ومألوف في دنيا المماليك التي تنحصر في جملة بين فاصلتين وحرف عطف" رضا السلطان وتغير خاطر السلطان"، وهنا يحصر" ابن تغري بردي" في كتابه" النجوم الزاهرة" أسباب هذا الانقلاب في العلاقة المثيرة التي جمعت" جمال الدين" بالأمير" شيخ المحمودي" نائب الشام وكان بينهما سابق معروف حينما أقره استادارا بعد الأمير" بجاس" حمو جمال الدين.

غير أن الأمير" شيخ" شق عصا الطاعة للسلطان" فرج" وحينما ظفر الأخير به عام 808 هجرية وهم بقتله كانت لشفاعة" جمال الدين" الدور الأبرز في عدول السلطان عن رأيه ومع عودة الصراع للواجهة تظاهر" جمال الدين" بالولاء للسلطان فيما كان يعين الأمير" شيخ" بالمال والمعلومات في الخفاء.

دور كهذا لم يكن ليظل طي الكتمان لفترة طويلة مع كثرة خصومه.

وبدأت بوادره تظهر حينما خرج السلطان" فرج" إلى بلاد الشام عام 812 هجرية ولم يكن معه من الذهب إلا النذر اليسير فسأل" جمال الدين" أن يمنحه شيئا منه والظاهر أن صاحبنا بقدر ما توفر له من مكانة كان قليل الذكاء فتعلل بقلة ما معه وكأنه بذلك يضعف جبهة السلطان بتقاعسه عن دعمه ماليا فيما أرسل مالا للأمير" شيخ" مع بعض الأمراء الفارين من معسكر السلطان إلى جبهة خصمه كما ضبطت رسالة مع ساع قبض عليه بدمشق وقرأها" فتح الله" كاتب السر فإذا هي من" جمال الدين" إلى خصم السلطان الأمير" شيخ".

هنا أصبح جليا أمام السلطان خيانة" جمال الدين" فرتب مع الأمير" تغري بردي" القبض عليه عند بلبيس" ثمّ رسم السّلطان للوالد أن يتسلّم جمال الدين ويعاقبه، فقال الوالد: يا مولانا السلطان جمال الدين كلب لا يتسلّمه إلّا كلب مثله، فقال تاج الدّين عبد الرّزّاق ابن الهيصم: يا خوند، أنا ذلك الكلب، فسلّمه السلطان له" وصودر منه مالا كثيرا وحتى نتوقف على قطرة من هذه الكنوز الطائلة فحري بنا أن نقرأ معا هذا الجزء من كتاب" ابن حجر العسقلاني" " إنباء الغمر بأنباء العمر": " ومن غريب ما اتفق في ذلك أنه كان ظفر من تركة بعض الأَكابر بحاصلٍ فيه ذهب وعلبةٍ مليئة بفصوص وجواهر نفيسة، فبَلغ السلطان ذلك فطلبه من الأَمير جمال الدين فأَنكره وأَودع ذلك عند جنديّ يقال له جلبان، فلما قُبض على جمال الدين وأُمِر بحمْل ما عنده من الأَموال ذكر أَن له عند جلبان وديعةً نحو عشر قفف ذهبًا، فطلع المذكور وتغلَّب عليه الخوف فأَحْضر الذهب والعلبة التي فيها الجواهر فانبسط الناصر، وبلغ جمال الدين ذلك فشق عليه مشقة عظيمة".

والمماليك مغرمون بالفساد وفي دعمهم له سواء.

لذلك لا ينبغي الأخذ بهذا الاتهام من مملوك لآخر.

وعوقب" جمال الدين" بالعصر في رجليه ولما حاول استعطاف السلطان سارع أعداؤه في استعجال قضائه فأرسل إلى بيت" ابن الهيصم" وبعدها لوالي القاهرة الأمير" حسام الدين الأحول" محمولاً في قفص حمال فتفنن في عقابه ثم خنقه وقطع رأسه التي حملت للسلطان، وفي ذلك يظهر مؤرخنا الكثير من الشماتة والتشفي غير اللائقين فيقول: " قلت: لا جرم أنّ الله تعالى قاصصه فى الدنيا ببعض ما فعله؛ فعوقب أيّاما بالكسّارات وأنواع العذاب، ثمّ ذبح فى ليلة الثلاثاء حادى عشر جمادى الآخرة، وأراح الله الناس من سوء فعله وقبح منظره (كان قصير القامة وإحدى عينيه أصغر من الأخرى)".

نقدي هذا لا ينتقص من مكانة وقيمة" ابن تغري بردي" كحارس على بوابة التاريخ المملوكي وقد نقل" السخاوي" عنه ثقته الزائدة بالنفس إلى حد اعتبار نفسه أفضل من أرخ للعصر المملوكي بحكم كونه منهم وإطلاعه على لغتهم التركية وأحوالهم وعاداتهم" سمعته يرجح نَفسه على من تقدمه من المؤرخين من ثلثمِائة سنة بِالنِّسْبَةِ لاختصاصه دونهم بِمَعْرِِفَة التّرْك وأحوالهم ولغاتهم"، لكنه لا يستثنيه من الوقوع في الأوهام والخلط بسبب هذا التفرد وسيطرة الأهواء عليه في التراجم ويعدد أمثلة من ذلك لا يتسع المقام لذكرها، ومع ذلك فهو من أكثر المؤرخين انتباها لأهمية النيل فلم تخلو حولياته في كل عام من إشارة إلى زيادة النيل ونقصانه.

نأتي لآثار" ابن تغري بردي" ووالده الأمير، وبنبغى التفرقة هنا -لإزالة الخلط الشديد -بين" تغرى بردي الرُّومِي البكلمشي الدودار الكبير المعروف بالمؤذي"، وبحسب" السخاوى" في كتابه" الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" فقد" َعمر مدرسة حَسَنَة فِي طرف سوق الأساكفة بالشارع قَرِيًبا من صليبة جَامع ابْن طولون، وَجعل فِيهَا خطْبَة ومدرسا وشيخا وصوفية، ووقف عَلَيْهَا أوقافا كَثِيرَة غالبها كَمَا قَالَ شَيخنَا مغتصب وَقرر فِي مشيختها الْعَلَاء القلقشندي، وبين معاصره" تغرى بردي الكمشبغاوي الرُّومِي" والد مؤرخنا صاحب" النجوم الزاهرة".

وعليه فمسجد" تغرى بردي" بشارع الصليبة لا يخص صاحبنا ولا يخص والده الأمير الكبير، وكذلك الحال بالنسبة لمسجد" تغرى بردى" المعروف بالمدرسة المهمندارية والموجود بشارع المقاصيص (نسبة إلى ظاهرة قص أنصاف الفضة وتداولها في الأسواق والتي ابتكرها اليهود القاطنين في المنطقة) المتفرع من شارع المعز لدين الله بحي وسط القاهرة، والذي أنشأه الأمير العثماني" محمد بك تغري بردي بن إبراهيم بك الدفتردار" عام 1044هـ/ 1634م في عهد الوالي العثماني بكير جى أحمد باشا الوزير)" موقع القاهرة الإسلامية التابع لمركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي أحد مراكز مكتبة الإسكندرية، (والصحيح أن المسجد الذي يخص الأمير" تغرى بردي" والد الراوي الناقل" يوسف بن تغري بردي" هو جامع" تغرى بردى" بمحلة السفاحية في حلب القديمة أو" الموازيني" كما يعرف هناك نسبة إلى" بني الموازيني" القائمين على أوقافه وترميمه منذ نحو قرن من الزمان، وقد شيده الأمير" تغري بردي" حينما كان نائبًا على حلب عام 796 هجرية، وجعل عليه الشيخ" على بن محمد الصرخدي" لتدريس الفقه الشافعي.

وعن نهاية" ابن تغرى بردي" ومعاناته الشديدة مع مرضه الأخير ومدفنه يقول" السخاوي": " وابتنى لَهُ تربة هائلة بِالْقربِ من تربة الْأَشْرَف إينال (بالصليبة بحي طولون) ووقف كتبه وتصانيفه بهَا، وتعلل قبل مَوته ينحو سنة بالقولنج (ربما كان التهاب القولون التقرحي المقصود في هذه الحالة لوجود اسهال دموي بين أعراضه ) وَاشْتَدَّ بِهِ الْأَمر من أَوَاخِر رَمَضَان بإسهال دموي بِحَيْثُ انتحل وتزايد كربه وَتمنى الْمَوْت لما قاساه من شدَّة الْأَلَم إِلَى أَن قضى فِي يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَسبعين وَدفن من الْغَد بتربته وَعَسَى أَن يكون كفر عَنهُ رَحمَه الله وَعَفا عَنهُ وإيانا".

وهكذا رحل الأمير الذي لم يحمل سيفا طيلة حياته بل ترك مدادا نختلف أو نتفق حوله لكنه في كل الأحوال أمضى من السيف وأبقى أثرا.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك